فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الشبهة يريك إلى أى مدىً تعسف هؤلاء المغالون في التحامل على القرآن ، المسرفون في إظهار الحقد عليه والطعن فيه ، إنهم مثل الذى يريد أن يعبر محيطًا بقارب مصنوع من"البوص"، دون أن يكون لهم رادع من أنفسهم يحفظون به ماء وجوههم إن كان في وجوههم ماء.
وقبل أن نودع الحديث في الرد عليهم على ما أثاروه حول الآية نضيف إلى ما ذكره الأئمة إضافتين من حيث التوجيه البلاغى:
إحداهما: إن في أساليب علم المعانى ، وهو أحد علوم البلاغة الثلاثة (المعانى ـ البيان ـ البديع) أسلوبًا لا يعرف عنه مثيرو هذه الشبهات شيئًا ، هو ما يسميه البلاغيون بـ"الاستئناف البيانى".
وضابط هذا الأسلوب أن تتقدم جملة من الكلام تثير في ذهن السامع تساؤلًا لطيفًا يدب في نفسه أو يسرى سريان الماء في العود الأخضر ، فتأتى جملة أخرى تجيب على ذلك التساؤل ، الذى ليس له صورة في الكلام. بل هو يبرق كالشعاع في ذهن السامع ومن أمثلته في القرآن:
(وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوعُ مصبحين ) (9) . فجملة"أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين"جواب على سؤال تقديره: ما هو ذلك الأمر الذى قضاه الله (10) .
ومثله قوله تعالى: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) (11) .
فجملة"فوسوس إليه الشيطان"أثارت في النفس تساؤلًا لطيفًا"ماذا قال الشيطان لآدم ؟ فكان الجواب:"
(قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (.
هذا هو الاستئناف البيانى عند البلاغيين وهو ـ مرة أخرى ـ:
"تنزيل جملة منزلة جواب على سؤال تضمنته الجملة التى قبلها".
والآية التى معنا: (وأسروا النجوى الذين ظلموا (جرت على نسق الاستئناف البيانى الذى عرفته ، لأن جملة (وأسروا النجوى (تثير في النفس التساؤل نفسه: مَنْ هم الذين (أسروا النجوى (؟ فكان الجواب: (الذين ظلموا (.
لا يقال: إن هذا السؤال لا يقتضى المقام إثارته لأن مرجع الضمير ، وهو"الواو"فى"أسروا"مذكور قبله في قوله تعالى:
(اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * ما يأتيكم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم.. ) (12) .
لأنا نقول: إن الوقائع المذكورة في مطلع السورة ، وقائع عامة ، هى أحوال للناس جميعًا ، إلا من عصمه الله.
أما إسرار النجوى ، فهى واقعة خاصة وقعت من مشركى العرب ، فليس"الناس"قبلها هم فاعليها ، بل فاعلوها هم الذين قالوا:
(? هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) (13) .
وعلى هذا فإن " الذين ظلموا ليس فاعلا لـ"أسروا"وإنما فاعل"أسروا"الواو."
أما"الذين ظلموا"فواقعه في كلام جديد ، هو خبر عن جلة السؤال: من هم الذين أسروا النجوى ؟
وهذا وجه آخر يرد به على مثيرى هذه
الشبهة المتعالمين وهم جاهلون.
أما الإضافة الثانية ، فهى أسلوب آخر من أساليب البلاغة العربية ، مفتاح الإعجاز المفحم.
ذلك الأسلوب تحدث عنه شيخ البلاغيين بلا منازع الإمام عبد القاهر الجرجانى ، وأسماه:
"الإضمار على شريطة التفسير" (14) .
وضابط هذا الأسلوب هو أن تأتى بالضمير أولًا ثم تفسره بعد ذلك بذكر مرجعه. ومن أمثلته شعرًا قول الشاعر:
هى الدنيا تقول بملء فيها
حذار حذار من بطشى وفتكى
ولا يغرُركمُ منى ابتسام
فقولى مضحك والفعل مبكى
وتخريج الآية"وأسروا النجوى الذين ظلموا"على هذا الأسلوب سائع رائع.
فقد أتى بالضمير أولًا"وأسروا"ثم فسره ثانيًا هكذا"الذين ظلموا".
وبلاغة هذا الأسلوب هى تحريك الشعور ، وتشويق النفس إلى عقبى الكلام كيف تكون ، فيتمكن المعنى المسوق من أجله الكلام في النفوس كل التمكن ؛ لأن النفس إذا ظفرت بالشىء بعد انتظاره استقر ذلك الشىء فيها.
هذه الخصائص البيانية محرومٌ منها مثيرو هذه الشبهات ؛ لأنهم يجهلونها. والناس ـ كما جاء في المثل ـ أعداء ما جهلوا.
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يُرضوه إن كانوا مؤمنين ) (1) .
ذكروا هذه الآية ، ولفت نظرهم ذكر الله ، ثم ذكر رسوله معطوفًا عليه، ثم إيقاع الفعل"يُرضى"على الضمير المفرد، وهو"الهاء"فى"يُرضوه"وهو شاهدهم في هذه
الشبهة ، ثم قالوا:
"فلماذا لم يثنِّ الضمير العائد على الاثنين ، اسم الجلالة ورسوله فيقول: أن يُرضوهما"؟!
الرد على الشبهة:
هذه الآية ، والتركيب الذى حسبوه أو عاندوا وقالوا إنه خطأ لغوى نحوى ، إنما هى لمحة قرآنية تتعلق بعقيدة توحيد الله عز وجل.
ومثيرو هذه الشبهات ، لا يعرفون عن حقيقة"التوحيد"شيئًا ، وضوابطهم فيه مثل الغربال إذا وضع فيه سائل لا يبقى فيه منه شىء.
وقد فات هؤلاء أمر عظيم ، ترتب عليه جهل شنيع ذلك أنهم لم يعرفوا أصلًا ، أو لم يستحضروا في أذهانهم وهم يسطرون هذه
الشبهة ، متى يُثنَّى المعدود ، ومتى يجمع ، ومتى يظل مفردًا.