فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 4557

وهى من البديهات ، بيان ذلك: أن هناك شرطًا موضوعيًّا في تثنية المعدود وجمعه ذلك الشرط هو:

التجانس بين الأفراد في الواقع ، فقَلَم يثنى فيقال: قلمان ويجمع فيقال أقلام.

لكن حمارًا ـ مثلًا ـ لا يثنى مع القلم ولا يجمع ، لأنك لو ثنيت القلم والحمار ، فقلت قلمان ، أو حماران ، وأنت تريد قلمًا وحمارًا لم يفهم أحدٌ من العقلاء ما تريد.

وحتى الرجل والمرأة ، وهما فردان بينهما تجانس من جهة ، واختلاف من جهة أخرى. فإنك لا تستطيع أن تثنيهما فتقول: رجلان ، أو تقول: امرأتان ، وأنت تريد رجلًا وامرأة. هذا لا يجوز عند العقلاء ، ولا يجوز في الواقع الذى يحسه الناس ويحترمونه.

هذا التمهيد ضرورى جدًّا لبيان لماذا ورد في القرآن"أن يُرضوه"دون أن يُرضوهما كما اقترح مثيرو هذه الشبهات ؟

وذلك لأنه ليس بين الله ، وبين رسوله ، ولا بين الله وبين أىِّ شىء في الوجود تجانس من أى نوع من الأنواع.

فالله هو الفرد الصمد ، الواحد الأحد ، الذى لم يلد فليس له ولد ، ولم يولد فليس له أم ولا أب. هو الخالق البارئ المصوِّر ، ليس له كفوًا أحد ، وليس كمثله شىء في الوجود وغيره ، هو المخلوق المبروء المصوَّر (اسم مفعول) .

من أجل هذا ؛ فإن الله لا يُجمَع ولا يُثنىَّ. لا في ذاته ولا مع أحدٍ من خلقه.

وعلى هذا جرى بيان القرآن المعجز ، فلم يقل كما يقترح هؤلاء الغافلون:

والله ورسوله أحق أن يُرضوهما. لأن الله ليس فردًا من جنس الأفراد الذين ينتمى إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم .

بل هو فرد لا مثيل له في الوجود أبدًا ، فلا يكون مع غيره ثانى اثنين ، أو ثالث ثلاثة ، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.

فالخطأ كل الخطأ هو ما توهمه مثيرو هذه الشبهات. أما ما عليه النظم القرآنى الحكيم ، فهو ليس كل الصواب فحسب ولكنه الإعجاز المفحم ، في أَجْلَى معارضه ، وآلق آفاقه ومَنْ أحسن من الله حديثًا.

التوحيد في القرآن عقيدة متمكنة في الواقع الخارجى مستقرة كل الاستقرار في قلوب المؤمنين.

وهو ـ كذلك ـ عقيدة في البيان القرآنى ، فلم يأت الله في لغة القرآن إلا واحدًا أحدًا ، ليس اثنين ، وليس ثلاثة (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) (2) وليس ما لفت أنظار مثيرى هذه الشبهات في الآية المتقدمة هو الوحيد في القرآن ، بل له نظائر عميت عنها أبصارهم وبصائرهم:

ففى الآية الثالثة من سورة التوبة نفسها ، ورد قوله تعالى:

(.. أن الله برئ من المشركين ورسوله.. ) (3) .

لم يقل: إن الله ورسوله بريئان من المشركين ، لأن وصف الله بالبراءة من المشركين ، وصف توحيدى تابع للواحد الأحد ، الذى ليس له مثيل في كل الوجود.

ولذلك قال:"أن الله برئ من المشركين ورسوله"أى ورسوله برئ منهم ، والذى دل على هذا ، ما ذكره في جانب الله أولًا.

كما تقول: محمد (من أُولى العزم من الرسل ، وموسى عليه السلام ، أى وموسى من أُولى العزم من الرسل. تثبت الوصف المحذوف لموسى ، استنادًا إلى ذكر ذلك الوصف خبرًا عن محمد ، عليهما الصلاة والسلام. هذا ما يفهمه العقلاء من بليغ الكلام.

وفى سورة التوبة نفسها ـ كذلك ـ ورد قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنَّا إلى الله راغبون ) (4) .

روعيت عقيدة التوحيد في النظم القرآنى المعجز المفحم في ثلاثة مواطن:

الأول:"ما آتاهم الله ورسوله"حيث عطف رسوله على اسم الجلالة ، دون عود ضمير مثنى.

الثانى:"حسبنا الله"دون عطف رسوله على اسم الجلالة. لأن الحسب لا يكون إلا لله.

الثالث:"سيؤتينا الله من فضله ورسوله"دون أن يُثَنِّى فيقول: من فضلهما.

وإنما عُطِف"رسوله"بعد تمام الجملة الأولى.

ثم حذف من جملة"ورسوله"ما دل عليه الكلام السابق ، أى:

وسيؤتينا رسوله من فضله.

هذا هو التوحيد في القرآن ، دقة وإحكام ، ومبالغة في تنزيه الله عن المساوى والمثيل والكفء حتى في اللفظ توحيد نقى ، خالص ، مبرأ عن الشبهات المعنوية ومبرأ عن الشبهات اللفظية.

ولم يرد في القرآن الحكيم اسم يكون ثانيًا لله ، ولا اسم يكون ثالثًا لله ، لا في المعانى ، ولا في الألفاظ وذلك هو التوحيد الخالص. رسالة كل الرسل والأنبياء.

والخلاصة:

أن في الآية أسلوب الإيجاز البليغ لأن معناها الذى لم يهتدوا إليه هو:"والله أحق أن يُرضوه ورسوله أحق أن يرضوه"فحُذف"أحق أن يرضوه"من الأول ، لدلالة الثانى"ورسوله أحق أن يرضوه"عليه.

وهذا فن بلاغى يطلقون عليه:"الاحتباك"وهو نوعان:

الأول: أن يحذف كلام من جملة أولى ويذكر ما يدل عليه في جملة ثانية جاءت بعدها مباشرة. مثل الآية التى اتخذوها منشأ لهذه الشبهة.

والثانى: أن يحذف من جملة ثانية كلام يدل عليه ما ذكر في الجملة التى قبلها ، ومثاله قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا.. ) (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت