فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وثالثها:أن هذه الآية تقتضي أن المساجد أفضل بيت عند الله تعالى على عكس ما قاله هؤلاء الجهال بلغة العرب ، وتقريره أن الصنف القليل المنزلة عند الله تعالى أقرب للهلاك من العظيم المنزلة ، والقاعدة العربية أن الترقي في الخطاب إلى الأعلى فالأعلى أبدا في المدح والذم والتفخيم والامتنان ؛ فتقول في المدح: الشجاع البطل ، ولا تقول: البطل الشجاع ، لأنك تعد راجعا عن الأول ، وفي الذم: العاصي الفاسق ، ولا تقول: الفاسق العاصي ، وفي التفخيم: فلان يغلب الألف والمائة ، وفي الامتنان لا أبخل عليك بالدرهم ولا بالدينار ، ولا يقال بالدينار والدرهم ، والسر في الجميع أنك تعد راجعا عن الأول كقهقرتك عما كنت فيه إلى ما هو أدنى منه ، إذا تقرر ذلك ظهرت فضيلة المساجد ومزيد شرفها على غيرها ، وأن هدمها أعظم من تجاوز ما يقتضي هدم غيرها ، كما نقول: لولا السلطان لهلك الصبيان والرجال والأمراء ، فترتقي أبدا للأعلى فالأعلى لتفخيم أمر عزم السلطان ، وأن وجوده سبب عصمة هذه الطوائف ، أما لو قلت: لولا السلطان لهلك الأبطال والصبيان لعد كلاما متهافتا .
ورابعها:أن الآية تدل على أن المساجد أفضل بيت وضع على وجه الأرض للعابدين من وجه آخر ، وذلك أن القاعدة العربية أن الضمائر إنما يحكم بعودها على أقرب مذكور ، فإذا قلت: جاء زيد ، وخالد ، وأكرمته ، فالإكرام خاص بخالد ، لأنه الأقرب فقوله تعالى: {يذكر فيها اسم الله كثيرا} . يختص بالأخير الذي هو المساجد ، فقد اختصت بكثرة ذكر الله تعالى ، وهو يقتضي أن غيرها لم يساوها في كثرة الذكر ، فتكون أفضل ، وهو المطلوب .
فائدة:الصومعة موضع الرهبان ، وسميت بذلك لحدة أعلاها ودقته ، ومنه قول العرب: أصمعت الثريدة: إذا رفعت أعلاها ، ومنه قولهم: رجل أصمع القلب ، إذا كان حاد الفطنة . والصلاة: اسم لمتعبد اليهود ، وأصلها بالعبراني صلوتا فعربت ، والبيع اسم لمتعبد النصارى ، اسم مرتجل غير مشتق ، والمسجد اسم لمكان السجود فإن مفعلا في لسان العرب ، اسم للمكان ، واسم للزمان الذي يقع فيه الفعل نحو: المضرب لمكان الضرب ورماته .
( المرجع: رسالة"إفحام النصارى"دار القاسم ، ص 33-39) .
بعد كتابة موضوع:"شبهة وجود الأحجار الكريمة في المياه العذبة"
جاء رد من أحد الإخوة ينقد الإعجاز العلمي في قوله تعالى:"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا" [الفرقان: 53] . بحجة أن الإعجاز مسروق من الكتاب المقدس:"في سفر التكوين 6 وقال الله ليكن جلد في وسط المياه.وليكن فاصلا بين مياه ومياه. 7 فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد.وكان كذلك. فهل الأصل هو الاعجاز ام نسخة النقل؟".
جواب الشبهة:
من عجائب أولئك الناس أنهم يقلبون الأخطاء العلمية في كتابهم المقدس، جاعلين منها إعجازًا علميًا ! فمن يدرس شروح الكتاب المقدس، ويبحث في تاريخ علاقة الكنيسة مع العلم وعلماء الطبيعيات.. يعلم أن النص الذي استشهد به كان من أفدح الأخطاء العلمية للكتاب المقدس.
وما كان له زعمَ وجود إعجاز علمي فيه، والإقناع بما ذَهَبَ إليه من تفسير مغلوط، بدون اللجوء إلى أسلوب غير علمي معهود منهم، ومتكرر كثيرًا، وهو بتر النص وتحريفه.
فالمقصود بـ (الجَلَد) ـ بحسب الكتاب المقدس ـ هو السماء، أو: إن ما نشاهد لونه أزرقًا حين ننظر إلى أعلى، هو عبارة عن حاجز يمنع المياه الفوقية، عن الاختلاط بمياه الأرض.. ولا يوجد من يفسر مقصود الكتاب المقدس، خيرًا من النص الصريح لكاتب الكتاب المقدس. ففي الإصحاح الأول من سفر التكوين:" (6) وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلًا بين مياه ومياه (7) فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد [1] ، وكان كذلك (8) ودعا الله الجَلَد سماء...".
الجَلَد ـ بما يمثله من قساوة ويبوس ـ الذي يفصل بين السماء والأرض، هو تفسير بدائي لسقف السماء. حين كانوا يظنون أن ذلك الأزرق، ما هو إلا حاجز شفاف يفصل بين الماء الموجود في الأعلى، وأن المطر يحدث نتيجة ثقوب فيه مصممة خصيصًا لذلك. ففَصَلَ ذلك الجَلَد [2] بين مياه السماء (الأمطار) ، ومياه البحار والأنهار والينابيع الموجودة على الأرض.