فهرس الكتاب

الصفحة 1913 من 4557

الإنجيل في عهد موسى""النبي الأمي""

"وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الّزَكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ; (آيتا 156 ، 157) ."

يقول القرآن هنا إن موسى وقومه في ميقاتهم أخذتهم الرَّجْفةُ فأخذوا يصلّون ويقولون .. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنّا هُدْنا إليك . كان اليهود يشتقُّون اسمهم من الهُدى، والهدى كناية عن موسى ولقد آتينا موسى الهدى . أو يشتقّون الهدى من اسمهم، فموسى وقومه يطلبون من الله تسجيل يهوديتهم حسنةً لهم، فيجيبهم الله بقوله أولًا: إن الحسنة لأهل التقي والزكاة والإيمان، وهذه الحسنة ستُكتب للذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فهل كان موسى وقومه ينتظرون ألفي سنة حتى تقوم لهم حسنةٌ بالإيمان بمحمد!! أمِن المعقول أن يجيب الله على دعاء موسى وقومه لربهم بأن الهداية ليست في الموسوية بل في اتِّباع محمد النبي الأمي ؟!! وأن يقول الله في ردّه على صلاة موسى إن محمدًا مكتوبٌ في التوراة والإنجيل.. وأين كان الإنجيل في زمن موسى حتى يحدّث الله قومه به؟!

وكلمة الأمي الواردة في النصّ لا تعني (بحسب القرآن) عدم الإلمام بالقراءة والكتابة، إنما تعني من ليس له كتاب مُنزَّل، فاليهود أتباع إسحاق بن إبراهيم هم كتابيون في حين أن العرب أبناء إسماعيل بن إبراهيم هم أميون . ودلَّ القرآن على هذا دلالة واضحة وصريحة، فهو يدعو الكتابيين والأميين إلى اتِّباع الإسلام قل للذين أوتوا الكتاب والأميين: أأسلمتم؟ (آل عمران 3: 20) ثم يشير إلى تمنّي الأميين لمعرفة الكتاب: ومنهم أُميُّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ (البقرة 2: 78) ويفخر بأن بعثه الله رسولًا من غير الكتابيين فيقول: هو الذي بعث في الأُمّيين رسولًا منهم (الجمعة 62: 2) . وقد عرَّف أهل الكتاب بأن التمييز بينهم وبين الأميين شيء محتوم: قالوا ليس علينا في الأميين سبيل (آل عمران 3: 75) . بهذا المعنى القرآني يجب أن نفهم قول القرآن عن أُمِّية محمد. فالأميون هم العرب أبناء إسماعيل، والكتابيون هم اليهود أبناء إسحاق، وبالتالي فإن أمّية محمد لا تعني جهله بالقراءة والكتابة بقدر ما تعني انتماءه إلى العرب الأميين أبناء إسماعيل الذين ليس لهم من الله كتاب مُنزَّل. (راجع تفسير ابن كثير للأعراف 7: 157 - ولم نعثر على تفسيرٍ إسلامي يشرح ذكر الإنجيل في هذا الموقف، ولكنهم جميعًا يصمتون عن هذا تمامًا

إنه لنبأ عظيم، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي، على يدي نبيهم موسى ونبيهم عيسى - عليهما السلام - منذ أمد بعيد.

جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، وبمنهج رسالته، وبخصائص ملته. فهو"النبي الأمي"، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به. وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بآيات الله.. وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي؛ ويعظمونه ويوقرونه، وينصرونه ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي الذي معه { أولئك هم المفلحون } ..

وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل- على يد نبيهم موسى عليه السلام - كشف الله سبحانه عن مستقبل دينه، وعن حامل رايته، وعن طريق أتباعه، وعن مستقر رحمته.. فلم يبق عذر لأتباع سائر الديانات السابقة، بعد ذلك البلاغ المبكر بالخبر اليقين.

وهذا الخبر اليقين من رب العالمين لموسى عليه السلام - وهو والسبعون المختارون من قومه في ميقات ربه - يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي الأمي وللدين الذي جاء به. وفيه التخفيف عنهم والتيسير، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين!

إنها الجريمة عن علم وعن بينة! والجريمة التي لم يألوا فيها جهدًا.. فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلق وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به.. اليهود أولًا والصليبيون أخيرًا.. وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ودينه وأهل دينه كانت حربًا خبيثة ماكرة لئيمة قاسية؛ وأنهم أصروا عليها ودأبوا؛ وما يزالون يصرون ويدأبون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت