فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 4557

وقد اختار التعبير أن ينص على تسبيح الرعد بالحمد اتباعًا لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامته لتشارك في المشهد بحركة من جنس المشهد كله ـ كما فصلت هذا في كتاب التصوير الفني في القرآن ـ والمشهد هنا مشهد أحياء في جو طبيعي. وفيه الملائكة تسبح من خيفته، وفيه دعاء لله، ودعاء للشركاء. وفيه باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.. ففي وسط هذا المشهد الداعي العابد المتحرك اشترك الرعد ككائن حي بصوته في التسبيح والدعاء..

ثم يكمل جو الرهبة والابتهال والبرق والرعد والسحاب الثقال.. بالصواعق يرسلها فيصيب بها من يشاء. والصواعق ظاهرة طبيعية ناشئة من تركيب الكون على هذا المنوال؛ والله يصيب بها أحيانًا من غيروا ما بأنفسهم واقتضت حكمته ألا يمهلهم، لعلمه أن لا خير في إمهالهم، فاستحقوا الهلاك.

والعجيب أنه في هول البرق والرعد والصواعق، وفي زحمة تسبيح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وزمجرة العواصف بغضبه.. في هذا الهول ترتفع أصوات بشرية بالجدل في الله صاحب كل هذه القوى وباعث كل هذه الأصوات التي ترتفع على كل جدال وكل محال:

{ وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال } !

وهكذا تضيع أصواتهم الضعيفة في غمرة هذا الهول المتجاوب بالدعاء والابتهال والرعد والقرقعة والصواعق، الناطقة كلها بوجود الله ـ الذي يجادلون فيه ـ وبوحدانيته واتجاه التسبيح والحمد إليه وحده من أضخم مجالي الكون الهائل، ومن الملائكة الذين يسبحون من خيفته (وللخوف إيقاعه في هذا المجال) فأين من هذا كله أصوات الضعاف من البشر وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال؟!

وهم يجادلون في الله وينسبون إليه شركاء يدعونهم معه. ودعوة الله هي وحدها الحق؛ وما عداها باطل ذاهب، لا ينال صاحبه منه إلا العناء

واسْتَبقا الباب، وقَدَّت قميصَه من دُبُرٍ

واسْتَبقا الباب، وقَدَّت قميصَه من دُبُرٍ. وألفيا سيّدها لدى الباب. قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يُسجَن أو عذابٌ أليم؟ قال: هي راودتني عن نفسي. وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقت، وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت، وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قُدّ من دُبُرٍ قال: إنه من كيدكنَّ. إن كيدكنّ عظيم.

يوسف أعرض عن هذا (آيات 25-29) يعني: اترك هذا الحديث ولا تذكره لأحدٍ حتى لا ينتشر بين الناس. أو: لا تكترث به، فقد بانت براءتك.

والتوراة تعلمنا خلاف هذا، ففي ذات يوم دخل يوسف البيت ليعمل عمله، ولم يكن أحد في البيت، فأمسكت بثوبه قائلة: اضطجع معي فترك ثوبه في يدها وهرب. فنادت أهل بيتها وقالت: جاء إلينا برجلٍ عبراني ليداعبنا . فأخبرت زوجها فحبسه (التكوين 39) .

ومن هذا نرى:

-1 - لم يجد فوطيفار زوجته ويوسف عند الباب.

-2 - لم يقدّ قميصه لا من دُبُر ولا من قُبُل، لأنه ترك ثيابه في يدها وهرب.

-3 - من الغرائب تبرئة فوطيفار ليوسف وتوبيخ امرأته، وتوسُّله إلى يوسف ألاّ يُشيع الفضيحة، فالرجل الذي يُثبِت على امرأته الفسق والخيانة لا يبقيها في بيته، ولا يستمر على اقتناء العبد ليكون أحبولةً لامرأته الشريرة، ولا يسجنه بعد ظهور براءته. فالحق هو ما ذُكر في التوراة لأنها هي الأصل، ولأنها توافق الذوق والعقل السليم

الرد

لنستخدم عقولنا ونتدبر هذا القول:

يقول مُدعي الشبهة: والتوراة تعلمنا خلاف هذا، ففي ذات يوم دخل يوسف البيت ليعمل عمله، ولم يكن أحد في البيت، فأمسكت بثوبه قائلة: اضطجع معي فترك ثوبه في يدها وهرب. فنادت أهل بيتها وقالت: جاء إلينا برجلٍ عبراني ليداعبنا . فأخبرت زوجها فحبسه (التكوين 39) .

السؤال: ما هو نوع الثوب الذي عندما امسكته امرأة العزيز من السهل أن يخلعه يوسف من على جسده !!!!

وهل عندما ترك يوسف ثوبه بين أيدي امرأة العزيز كان عاري تمامًا ؟!!!

اما ما جاء عن العهد القديم فنسأل الله السلامة ، فنحن كمسلمين لا نتبع الضلال

والالتفات إلى يوسف البرئ:

{ يوسف أعرض عن هذا } ..

فأهملْه ولا تُعِرْه اهتمامًا ولا تتحدث به.. وهذا هو المهم.. محافظة على الظواهر!

وعظة إلى المرأة التي راودت فتاها عن نفسه، وضبطت متلبسة بمساورته وتمزيق قميصه:

{ واستغفري لذنبك. إنك من الخاطئين } ..

إنها الطبقة الأرستقراطية، من رجال الحاشية، في كل جاهلية. قريب من قريب!

ويسدل الستار على المشهد وما فيه.. وقد صور السياق تلك اللحظة بكل ملابساتها وانفعالاتها ولكن دون أن ينشئ منها معرضًا للنزوة الحيوانية الجاهرة، ولا مستنقعًا للوحل الجنسي المقبوح!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت