فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكانت فائدة الالتفات عن خطابهم المباشر"كنتم في الفلك"إلى حكاية حالتهم العجيبة إلى غيرهم ، لكى يستثير سخطهم عليهم ، ويقبِّحوا سوء صنيعهم مع الله.
والخلاصة:
ما قاله الإمام الزمخشرى في هذه الآية لمحة طيبة ، ومعنى لطيف دل عليه هذا الالتفات من المخاطب إلى الغائب ، وقد تناقله عنه المفسرون من بعده.
أما البلاغيون ـ بعد الزمخشرى ـ فقد أضافوا ملمحًا بلاغيًا آخر ، يساير ما فهمه الإمام الزمخشرى ولا ينافره ، فقد قالوا:
"إن السر في الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، أن"الغيبة"تناسب الفعل"جرين"فهم كانوا على الشاطئ والفلك ترسو إلى جنبه ، وأخذ الناس يركبون الفلك ، حتى إذا تكاملوا على ظهره ، وأقلعت آخذة في السير السريع (الجرى) غابوا عن الأنظار ، فهم ليسوا حاضرين حتى يُخاطَبُوا. ولكنهم غائبون غائبون فجرى الحديث عنهم مجرى الحديث عن الغائب".
إن كلتا اللمحتين البلاغيتين تنبثقان من هذا التعبير"وجرين بهم"ولا تنافر واحدة منهما الأخرى.
هذا ما لم يكن مثيرو هذه الشبهات أهلًا لفهمه لبلادة حسهم ، وفساد ذوقهم.
والالتفات ـ عامة ـ فن عريق من فنون البيان في البلاغة العربية ، طرقه الشعراء في الجاهلية ، وشاع في كلامهم ، ووردت منه نماذج وصور في الذكر الحكيم ، وفى أحاديث خاتم النبيين ، وأسراره لا تحصر ، ودلالاته لا تنضب ، وكفاه فضلًا أنه يروِّح عن مشاعر السامعين وينتقل بهم من لون إلى لون ، في معرض جذاب ، لا يقدره حق قدره إلا من رُزق حسن الفهم ، والقدرة على التذوق لمرامى الكلام.
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) (2) .
وشاهدهم في هذه الآية هو الجمع بين:"وأسروا"،"الذين ظلموا"لأنهم جزموا بأن"الواو"فى"أسروا"فاعل ، كما جزموا بأن"الذين"فى"الذين ظلموا"فاعل كذلك.
ولما كان كل فعل لا يتطلب إلا فاعلًا واحدًا ، صاحوا بأعلى صوت قائلين:
إن القرآن أخطأ فجعل للفعل الواحد فاعلين ؟!
الرد على الشبهة:
قال شيخ المفسرين البيانيين الإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشرى يقول:"أبدل الذين ظلموا من"واو ""وأسروا"إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به."
أو جاء على لغة من قال: أكلونى البراغيث.
أو هو منصوب المحل على الذم.
أو هو مبتدأ خبره"وأسروا النجوى"قُدِّم عليه والمعنى:
هؤلاء أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلًا على فعلهم بأنه ظلم (3) .
ذكر الإمام ـ رحمه الله ـ في توجيه هذا التركيب أربعة آراء كلها صحيح فصيح:
الأول: إن"الذين ظلموا"بدل كل من كل من معنى"الواو"فى"أسروا"لأنه واو جماعة معناه الجمع.
الثانى: إنه جاء على لغة بعض القبائل العربية ، التى تجمع بين الضمير إذا وقع فاعلًا وبين ما يفسره.
وعليه جاء الحديث الشريف: [ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار ] (4) .
الثالث: أن يكون في محل نصب على الذم ، على تقدير فعل محذوف هو: أذم أو أخص الذين ظلموا بالذم.
الرابع: أن يكون هو المبتدأ ، وما قبله خبر عنه ، أى الذين ظلموا أسروا النجوى.
أما الذى اقتضى تقديم خبره عليه"أسروا النجوى"فهو التسجيل عليهم بقبح ظلمهم وفحوشته. وهذا كله كلام طيب في غاية النفاسة.
ويردد الإمام الشوكانى ما قاله الإمام جار الله ـ رحمه الله ـ ويضيف إلى ما قاله جديدًا ، ومن هذا الجديد:"إن الذين ظلموا"فاعل لفعل محذوف تقديره: يقول الذين ظلموا.
ثم يورد على لغة"أكلونى البراغيث"آية أخرى من كتاب الله ، هى قوله عز وجل: (ثم عموا وصموا كثير منهم ) (5) .
فقد جُمِعَ في الآية بين الضمير ، وهو"الواو"فى"عموا"و"صموا"وبين الاسم الظاهر"كثير".
كما ذكر قول الشاعر:
ولكن ديافى أبوه وأمه
بحوران يعصرن السليط أقاربه (6)
والشاهد في البيت حيث جَمَع الشاعر ، وهو عربى فصيح يحتج بكلامه بين نون النسوة فى"يعصرن"وهو فاعل لـ"يعصر"وبين الاسم الظاهر"أقاربه"وليس في الكلام إلا فعل واحد يكفى فيه فاعل واحد (7) .
وفى المسألة مذاهب أخرى ، منها:
* إن"الذين ظلموا"هى الفاعل ، أما"الواو"فهى علامة جمع الفاعل لا غير ، وأن العرب كانت تفعل ذلك حتى في المثنى ، فيقولون:
قاما أخواك. كما استشهد من ذهب هذا المذهب بقول الشاعر:
يلوموننى في اشتراء النخيل
قومى ، فكلهمو يعزل
حيث جمع بين"الواو"فى"يلوموننى"وبين الاسم الظاهر فى"قومى" (8) .
هذا ما قاله المفسرون وبعض النحاة في هذا التركيب وتخريجه على عدة وجوه من الصحة. دون أن يكون عندهم علم بأن بعضًا من الناس ، سيأتون ويقولون مثل ما قال مثيرو هذه الشبهات ، مع جهلهم المركب بلغة التنزيل وخصائصها التعبيرية والبيانية ، وهم فيها عوام أو أشباه عوام.
والخلاصة:
ما تقدم من الرد على هذه