فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أى: فاستجاب الله - تعالى - ليوسف دعاءه وضراعته ، فدفع عنه بلطفه وقدرته كيد هؤلاء النسوة ومكرهن ، بأن أدخل اليأس في نفوسهن من الطمع في استجابته لهن ، وبأن زاده ثباتا على ثباته ، وقوة على قوته ، فلم ينخدع بمكرهن ، ولم تلن له قناة أمام ترغيبهن أو ترهيبهن
وقال - سبحانه - { فاستجاب } بفاء التعقيب للإِشارة إلى أنه - سبحانه - بفضله وكرمه ، قد أجاب دعاء عبده يوسف - عليه السلام - بدون تأخير أو إبطاء .
إن في القرآن أن يعقوب قال لأبنائه بعد رحيل بنيامين إلى مصر: (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعًا) (1) . وقال المؤلف: إن المفسر البيضاوى يقول: إنه يقصد بقوله (بهم جميعًا) يوسف وبنيامين وأخيهما الذى توقف بمصر.
وإن القرآن جعل عدد مرات مجئ إخوة يوسف لمصر أربع مرات بدل ثلاث كما جاء في التوراة ، وأن في القرآن أن يوسف حبس بنيامين ، وأن إخوة يوسف رجعوا إلى أبيهما بدون شمعون وبنيامين.
الرد على الشبهة:
الخلاف بين التوراة وبين القرآن في سرد حوادث القصة لا يدل على عيب في القرآن ، ويدل على ذلك: ما في التوراة من زيادة ونقص في النسخة الواحدة ، وفى النسخ الثلاث. ومع هذا ففى التوراة ما يدل على ما جاء في القرآن ومن ذلك:
1 ـ أن يوسف كان قد أنجب ولدين في مصر هما أفرايم ومنسّى [تك 46: 20] ويعقوب أبوه من الأنبياء الملهمين ، ويدل على ذلك أنه يقول:
(إنى لأجد ريح يوسف ) (2) ـ (يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ) (3) فإذا قال (بهم) بضمير الجمع. وقد صرح من بعد بفقد اثنين هما: يوسف وأخيه فقط ؛ لا يدل ضمير الجمع على ولد ثالث محبوس في مصر ، وإنما يدل على ولدى يوسف.
2 ـ أن في التوراة ما يدل على سجن بنيامين وهو أنه لما دبر حيلته في استبقائه وتمت الحيلة ، طلبوا منه أن يطلقه فرد عليهم بقوله:"حاشا لى أن أفعل هذا. الرجل الذى وُجد الكأس في يده ؛ هو يكون لى عبدًا ، وأما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم" [تك 44: 17] .
فقوله:"هو يكون لى عبدًا"معناه: أنه استبقاه فى"مصر".
3 ـ وفى التوراة ما يدل على بقاء كبيرهم في مصر ، مع يوسف وبنيامين. وكبيرهم هو"راوبين"لا شمعون كما قال المؤلف إنه أخذه رهينة ، ولا يهوذا كما قال كاتب التوراة.
ومما يدل على بقاء كبيرهم: أنه استعطف يوسف بقوله:"فالآن ليمكث عبدك عوضًا عن الغلام عبدًا لسيدى ، ويصعد الغلام مع إخوته ؛ لأنى كيف أصعد إلى أبى والغلام ليس معى ؟ لئلا أنظر الشر الذى يصيب أبى" [تك 44: 33ـ34] .
إنه جاء في القرآن أن قميص يوسف لما رآه يعقوب ؛ أتى بصيرًا إلى مصر مع أهله ، وقد كان قد عمى من الحزن.
ونقل من كتب التفسير أنه كان قميص إبراهيم.. إلخ.
واستبعد شفاء يعقوب برؤية القميص.
الرد على الشبهة:
إن التوراة مصرحة بعمى يعقوب ، وأنه سيبصر إذا وضع يوسف يده على عينيه. ذلك قوله:"أنا أنزل معك إلى مصر ، وأنا أصعدك أيضًا. ويضع يوسف يده على عينيك" [تك 46: 4] هذه ترجمة البروتستانت. وفى ترجمة الكتاب المقدس بلبنان:"أنا أنزل معك إلى مصر ، وأنا أصعدك منها. ويوسف هو يغمض عينيك ساعة تموت"فيكون النص في عدم العمى صراحة في هذه الترجمة.
واتفقت التراجم على ضعف بصر يعقوب"وكانت عينا يعقوب كليلتين من الشيخوخة ، ولم يكن يقدر أن يبصر" [تك 48: 10] .
واستبعاد شفاء يعقوب برؤية القميص ؛ لا محل له. وذلك لأن في التوراة من هذا كثير. فنبى الله اليسع ـ عليه السلام ـ لما مات ودفنوه في قبره ؛ دفنوا معه بعد مدة ميتًا. فلما مست عظامه عظام اليسع ؛ ردت إليه روحه. وهذا أشد في المشابهة من قميص يعقوب ففى الإصحاح الثالث عشر من سفر الملوك الثانى:"ومات اليشع فدفنوه. وكان غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة ، وفيما كانوا يدفنون رجلًا إذا بهم قد رأوا الغزاة ؛ فطرحوا الرجل في قبر اليشع. فلما نزل الرجل ومسَّ عظام اليشع ؛ عاش وقام على رجليه" [2مل 13: 20ـ21] .
تفسير الرازي - (ج 9 / ص 108)