فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 4557

بدأت الآية الكريمة بهذا الفعل"قطَّعناهم"بتشديد"الطاء"على وزن"فَعَّل"وهذا التشديد يفيد التكثير ، أى كثرة التقطيع والتفريق. وهذا يناسبه بلاغة جمع"أسباطًا أممًا"لا إفرادهما ، والمعانى البلاغية من هذا النوع تزال من أجلها كل الموانع والسدود. ولغة القرآن وبلاغته أوسع من قواعد اللغة وفنونها البلاغية.

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم ) (1) .

يقولون:

كان يجب أن يثنى الضمير العائد على المثنى ، فيقول:"خصمان اختصما في ربهما"!.

الرد على

الشبهة:

أشرنا من قبل إلى طريقتين من طرق التعبير اللغوى الفصيح ، وهما:

-طريقة مراعاة اللفظ.

-وطريقة مراعاة المعنى

فحيث جمع القرآن الضمير العائد على المثنى ، فهو من استعمالات الطريقة الثانية ، التى يراعى فيها جانب المعنى على جانب اللفظ.

وينبغى أن نعرف أن المثنى نوعان:

-مثنى حقيقى ، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) (2) .

ف"رجلان"مثنى حقيقى ؛ لأن واحده فرد في الوجود ؛ أو ذات واحدة ؛ هذا هو المثنى الحقيقى. وإذا وُصِفَ أو استؤنف الحديث عنه وجب تثنية الضمير العائد عليه.

* أما النوع الثانى من المثنى ، فهو المثنى اللفظى ومثاله من القرآن قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ) (3) .

وهذا النوع من المثنى ضابطه أن واحده جمع فرد من عدة أفراد ، وليس فردًا واحدًا.

والنوع الأول (المثنى الحقيقى) يسمى مثنى لفظًا ومعنى.

أما الثانى (المثنى غير الحقيقى) فيسمى مثنى في اللفظ ، وجمعًا في المعنى. وفى وصفه أو استئناف الحديث عنه يجوز أن يراعى فيه جانب اللفظ ، أو جانب المعنى.

ومنه ما ورد في آية"الحج":"هذان خصمان"لما كان معناه جمعًا روعى فيه جانب المعنى فقال عز وجل:"اختصموا في ربهم"ومعروف أن مفرد الخصمين خصم ، وهو اسم جنس يندرج تحته - هنا - أفراد كثيرون وبهذا نزل القرآن في هذه الآية ، فتحدث عن الخصمين بضمير"الجمع"الذى هو"واو الجماعة""اختصموا"ثم بضمير الجماعة"هم"فى قوله تعالى:"فى ربهم".

ونظيره في القرآن قوله تعالى:

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) (4) . أعاد الضمير جمعًا"اقتتلوا"هذا في جملة الخبر ، مع أن المبتدأ مثنى"طائفتان"وذلك لأن هذا اللفظ مثنى غير حقيقى ، بل هو مثنى في اللفظ ، جمع في المعنى.

وفى هذه الآية راعى النظم القرآنى المعجز المعنى في جملة الخبر وحدها"اقتتلوا"ثم راعى اللفظ في بقية الآية هكذا:

(فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما (.

وكلا المنهجين فصيح صحيح بليغ.

والذى سوَّغ مراعاة المعنى فى"اقتتلوا"وقوعه بعد جمعٍ ، هو"المؤمنين"، وليس فوق ذلك درجة من الصحة والإصابة ، وإن كره الحاقدون.

والخلاصة:

أن"اختصموا"و"فى ربهم"الذوق السليم يشهد أن"اختصموا"أبلغ من اختصما ، وأن"ربهم"أبلغ من ربهما.

لأن"اختصموا"يفيد تبادل الخصومة بين جميع أفراد ال"خصمان"من أول وهلة ، وكذلك " ربهم ؛ إن ضمير الجمع فيه"هم"يفيد من أول وهلة ربوبية الله لكل فرد منهم."

والاختصام هو الحدث الرئيسى في هذه الواقعة. فعُبِّر عنه بهذا اللفظ الفخم"اختصموا"ومحال أن يستقيم لو قيل بعده"فى ربهما"فسبحان من هذا كلامه ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد.

18-الإتيان باسم الموصول العائد على الجمع مفردًا

منشأ هذه الشبهة:

ومنشأ هذه

الشبهة - عندهم - قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ، وخضتم كالذى خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) (1) .

والشاهد - عندهم - في الآية هو قوله تعالى:"وخضتم كالذى خاضوا"وآثرنا ذكر الآية بتمامها لأن الرد على هذه

الشبهة يقتضى النظر في الآية كلها لا في الجزء الذى استشهدوا به وحده.

وكان تعليقهم على قوله عز وجل: (وخضتم كالذى خاضوا (هو قولهم:"وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: (خضتم كالذين خاضوا (!"

الرد على

الشبهة:

هذه الآية - بتمامها - وردت في سياق الحديث عن المنافقين ؛ لأن ما قبلها هو قوله عز وجل: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) (2) .

والآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار ، لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت