فهرس الكتاب

الصفحة 2073 من 4557

المسألة الأولى: قال المفسرون: لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعًا كثيرًا وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف: { اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الاْرْضِ } أي على خزائن أرض مصر وأدخل الألف واللام على الأرض، والمراد منه المعهود السابق.

روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال:"رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة"وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم طلب يوسف الإمارة والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة» وأيضًا فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر، وأيضًا لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحالة، وأيضًا لم طلب أمر الخزائن في أول الأمر، مع أن هذا يورث نوع تهمة وأيضًا كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله: { إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } مع أنه تعالى يقول:

{ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ }

[النجم: 32]

وأيضًا فما الفائدة في قوله: { إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وأيضًا لم ترك الاستثناء في هذا فإن الأحسن أن يقول: إني حفيظ عليم إن شاء الله بدليل قوله تعالى:

{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذ?لِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ } [الكهف: 23، 24]

فهذه أسئلة سبعة لا بد من جوابها فنقول:

الأصل في جواب هذه المسائل أن التصرف في أمور الخلق كان واجبًا عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا: إن ذلك التصرف كان واجبًا عليه لوجوه:

الأول: أنه كان رسولًا حقًا من الله تعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان

والثاني: وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق

والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول.

وإذا ثبت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان مكلفًا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجبًا عليه ولما كان واجبًا سقطت الأسئلة بالكلية، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي: كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة، وأقول: لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء

وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه:

لا نسلم أنه مدح نفسه لكنه بين كونه موصوفًا بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالمًا بأنه يفي بهذا الأمر، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذمومًا إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى

{ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } [النجم: 32]

المراد منه تزكية النفس حال مايعلم كونها غير متزكية، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } أما إذا كان الإنسان عالمًا بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم.

قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم؟

قلنا: إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل الدخل والمال، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها، ويقال: حفيظ بجميع مصالح الناس، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال: حفيظ لوجوه أياديك وكرمك، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع

وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له مُنْكِرون،

وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له مُنْكِرون، ولما جهّزهم بجهازهم قال: ائْتوني بأخٍ لكم من أبيكم. ألا ترَوْن إني أوفي الكَيْل وأنا خير المُنْزِلِين؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربونِ (آيات 58 60) .

قال فخر الدين الرازي: هذا الكلام يضعف قول المفسرين إنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس، لأن مَن يتهمهم بأنهم جواسيس لا يليق به أن يقول لهم: ألا ترون إني أوفي الكيل وأنا خير المنزِلين (الرازي في تفسير هذه الآيات) .

وهنا نرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت