فهرس الكتاب

الصفحة 2114 من 4557

وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم: وهو أن يقال: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضًا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضًا في تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه، وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضًا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضًا على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ

(( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ) (آية 115) .

قال ابن عباس: لما هاجر محمد إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود. فاستقبلها بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قِبلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل: فولوا وجوهكم شطره. فارتاب في ذلك اليهود وقالوا: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال: قل لله المشرق والمغرب. فأينما تُولّوا فثمَّ وجه الله. وورد في الحديث أنه لما تحوَّلت القِبلة إلى الكعبة ارتدَّ قومٌ إلى اليهودية وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه وترك قِبلة اليهود التي هي على حق، وقال حُيَيّ بن أخطب وأصحابه من اليهود للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس. إن كانت على هدى، فقد تحولتم عنه. وإن كانت على ضلالة، فقد دنتم الله بها، ومن مات عليها فقد مات على ضلاله . وكان قد مات قبل أن تُحوّل القِبلة إلى الكعبة أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، وكانا من النقباء، ورجال آخرون. فانطلقت عشائرهم إلى محمد فطيَّب خاطرهم. وقد ذكر القرآن هذه الحادثة في البقرة 142: (( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ"فطعن في الذين اعترضوا عليه، وقال إنهم سفهاء مع أنهم أوفر الناس عقلًا وفهمًا. وقال في عدد 143"وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) )فترى من هنا أن كثيرين تخلّفوا عن محمد لتقلُُّبه في العبادة التي هي أهم أركان الدين. ثم ورد في عدد 144"فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; ثم قال:"فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ; عدد 150 (ابن كثير في تفسير البقرة 2: 115) .

لما رأى محمد أهل الكتاب يُصلّون صوب بيت المقدس، وكان يعتقد أن ديانتهم صحيحة، وكانت قِبلة العرب هي الكعبة، لم يحب أن يتبع العرب في قِبلتهم ويسير مسراهم، لأن العرب مشركون. فآثر أن يتبع قِبلة اليهود لأنهم أهل كتاب مُنزَل. ولكن لما رأى معارضة اليهود له، ورأى أن الاستمرار على قِبلتهم لا يخدم دعواه، اتَّبع الكعبة وهي قِبلة المشركين، وفضّلها على قِبلة أهل الكتاب، لأن معارضة المشركين ليست في قوة معارضة أهل الكتاب له، لأن أدلّتهم واهنة، فضلًا عن جهلهم. وعلى هذا ورد في عدد 144 (( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ).

قال المفسرون إن محمدًا وأصحابه كانوا يصلّون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أحبّ أن يستقبل بيت المقدس، يسترضي بذلك اليهود. فصلّى إلى بيت المقدس بعد الهجرة 16 أو 17 شهرًا. وكان يحب أن يتوجَّه إلى الكعبة لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قِبلتنا . فقال محمد إنه قال لجبريل: وددت لو حوّلني الله إلى الكعبة . فقال جبريل: إنّما أنا عبدٌ مثلك وأنت كريمٌ على ربك، فسَلْ أنت ربَّك . فجعل ينظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القِبلة، فأنزل قد نرى تقلّب وجهك في السماء يعني تردُّد وجهك وصرْف نظرك إلى جهة السماء. ولما تحوَّلت القِبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد، ما هو إلا شيء ابتدعتَه من تلقاء نفسك، فتارةً تصلي إلى بيت المقدس، وتارة إلى الكعبة. ولو ثبتَّ على قِبلتنا لكُنّا نرجو أن تكون صاحبنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت