فهرس الكتاب

الصفحة 2161 من 4557

أَمْ حسِبْتَ أن أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتنا عجبًا،

أصحاب الكهف:

أَمْ حسِبْتَ أن أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتنا عجبًا، إذْ أوى الفتيةُ إلى الكهف، فقالوا: ربنا آتِنا من لدُنك رحمة وهيِّىء لنا من أمرنا رشَدًا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا، ثم بعثناهم لنعلم أيَّ الحزبين أَحْصَى لِما لبثوا أمدًا. نحن نقصُّ عليك نبأَهم بالحقِّ، إنهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزِدْناهم هُدى... وتحسَبهم أَيْقاظًا وهم رقودٌ ونُقلِّبهم ذات اليمين وذات الشمال، وكلبُهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد .. وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم. قال قائل منهم: كم لبِثتُم؟ قالوا: لبِثنا يومًا أو بعض يوم. قالوا: ربُّكم أَعْلمُ بما لبِثتم، فابعثوا أحدَكم بورقِكم هذه إلى المدينة فلينظر أيُّها أزكى طعامًا فليأْتِكم برزقٍ منه ... سيقولون ثلاثةٌ رابعُهم كلبهم، ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم، رَجْمًا بالغيب. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم... ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا (آيات 9 - 25) .

اقتباس:

شرح المفسرون هذه القصة شرحًا مطوّلًا ملخّصه أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا، وطغت الملوك حتى عبدوا الأصنام، وفيهم بقايا على دين المسيح. وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم دقيانوس ملك الروم عبد الأصنام، وقتل كل من رفض عبادتها. فلما نزل مدينة أصحاب الكهف واسمها فسوس اضطهد المسيحيين وقطّعهم إربًا إربًا، فلما عظمت الفتنة. ورأى الفتية ذلك فحزنوا وصلّوا وصاموا. فلما طلب منهم الملك أن يعبدوا آلهته قال أكبرهم: إن لنا إلهًا عظمته ملء السموات والأرض. لن ندعو من دونه إلهًا أبدًا. وأما الطواغيت فلن نعبدها أبدًا . فنزع ثيابهم وأعطاهم مهلة. ثم سافر دقيانوس إلى مدينة أخرى، فهرب الفتية إلى كهف قريب من المدينة، وتبعهم كلب. وقال ابن عباس: هربوا من دقيانوس وكانوا سبعة، فمرّوا براعٍ معه كلب فتبعهم على دينهم، وتبعهم الكلب. وكانوا يرسلون أحدهم إلى المدينة ليشتروا لهم الطعام. ولما رجع دقيانوس واستفهم عنهم أمر أن يُسدَّ الكهفُ عليهم ليموتوا جوعًا وعطشًا، ويكون كهفهم قبرًا لهم. وقد توفى الله روحهم وفاة نوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم. ووضع أحد الناس كوم رصاص على كهفهم يشرح قصتهم. وناموا ثلثمائة سنة وسعًا، كما قال القرآن. فمات دقيانوس وتولى ملكٌ بعد آخر. وكان من الملوك الصالحين بيدروس، فجعل يدعو الناس إلى الحق، فانقسموا إلى قسمين: أهل الباطل وأهل الحق، فكثر أصحاب الباطل، فأراد الله أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف آيةً، فاتفق أن راعيًا فتح باب الكهف، فأيقظ الله الفتية، فخرج أحدهم يشتري لهم طعامًا بالنقود التي كانت عندهم. ولما أبرز النقود استغربها الناس وظنوا أنه وجد كنزًا، فأمسكوه ثم اطّلعوا على حقيقة الأمر، وأن الله جعلهم آيةً لتأييد أنصار الحق ولخذلان أنصار الباطل. قال ابن عباس: اسم كلبهم قطمير، وليس في الجنة دواب سوى كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم (الرازي، ابن كثير، الطبري في تفسير الكهف 18: 9 22) .

ونقول: (1) حقيقة هذه الحادثة أنه لما تولّى دقلديانوس حكم روما اضطهد المسيحيين وأذاقهم العذاب، ولا سيما الذين كانوا في الإسكندرية. فارتدّ كثير منهم. غير أن الأمناء احتملوا النار ولا العار، وهرب كثير إلى الجبال والكهوف وماتوا جوعًا. ومن الذين التجأوا إلى الكهوف شاب اسمه أنبا بولا، أول عابد متوحِّد، فعاش في كهف 90 سنة، وكان النخل يظلل مغارته، وكان يشرب من ينبوع ماء قريب منها.

(2) هناك قصة تشبه قصة القرآن وردت في كتاب بعنوان قصة السبعة النيام وهي من خرافات اليونان القديمة.

(3) واضح من هذا أن القرآن يتبع المشهور من الروايات. ومن العرض السابق لقصة أصحاب الكهف كما وردت في القرآن ندرك أنه لا يسجل الحقيقة التاريخية، بل يتبع في رواياته المشهور في بيئته. فلم يقطع القرآن بعدد الفتية الذين لبثوا في الكهف، ولا الفترة الزمنية التي مكثوها فيه، لا لشيء إلا لأن ذلك لم يكن مقطوعًا به في البيئة العربية حينذاك، بل كانت الروايات مختلفة متضاربة غير جازمة. قال الإمام النيسابوري في سبب نزول هذه الآيات إن قريشًا أرسلت من يأتيهم بخبر محمد من أهل الكتاب في المدينة: هل محمدٌ نبي أم مُدَّعي نبوّة؟ فلما أتى مندوب قريش المدينة وقابل يهودها، قالوا: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإن حديثهم عجب. وسَلوه عن رجلٍ طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان خبره؟ وسَلوه عن الروح، ما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي، وإلا فهو متقوِّل. وعندما سُئل محمد هذه الأسئلة ردّ بما كان معلومًا عنده من إجابات غير مقطوعة ولا جازمة، فلم يكن متوقَّعًا من محمد أن يفوق علمه علم أساتذته. ولذلك وقفت إجابات القرآن عند حد قالوا ربُّكم أعلمُ بما لبثتُم قُلْ ربّي أعلمُ بِعِدَّتهم . (آيتا 19 ، 22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت