فهرس الكتاب

الصفحة 1813 من 4557

إذن فقوله: (( ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم السكارى ) )مرحلة من مراحل التلطيف في تحريم الخمر ، فحرمها زمنًا ، هذا الزمن هو الوقت الذي يلقى الإنسان فيه ربه ، إنه أوضح لك: اعملها بعيدًا ، لكن عندما تأتي فعليك أن تأتي بجماع فكرك وجماع عقلك ، (( حتى تعلموا ما تقولون ) )فكأن هذه أعطتنا حكمًا: أن الذي يسكر لا يعرف ماذا يقول ، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى هذا الحد ، وعندما تصل إلى هذا الحد يتدخل ربنا فيقول: (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ).

ثم جاء بحكم آخر . (( ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) )ومعروف ما هي الجنابة: إنها الأثر الناتج من التقاء الرجل بالمرأة . وليس لأحد شأن بهذه المسألة مادامت تتم في ضوء شريعة الله وشأننا في ذلك أن ناتمر بأمر ربنا ونغتسل من الجنابة سواء فهمنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نفهم .

(( ولا جنبًا إلا عابري سبيل ) )، فلا تقربوا الصلاة ، بالسكر أو بالجنابة ولم يقل: (( لا تصلوا ) ). والصلاة مكانها المسجد ، فقول: (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتي تعلموا ما تقولون ولا جنبًا ) )، أي لا تقربوا الصلاة ، والقرب عرضة أن يكون ذهابًا للمسجد ، فكأنه يقول: لا تذهب إلا إذا كان المسجد لا طريق للماء إلا منه .

وربنا سبحانه وتعالى يقول: (( أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا ) )ومن رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن لطف الحق بها أن التشريع جاء ليقبل عليه الإنسان ، لأنه تشريع فلا تقل لي مثلًا: أنا أتوضأ لكي أنظف نفسي ولكننا نقول لك: هل تتوضأ لتنظف نفسك وعندما تفقد الماء تأتي بتراب لتضعه على وجهك ؟ فلا تقل لي النظافة أو كذا ، إنه استجابة الصلاة بالشيء الذي فرضه الله ، فقال لي: توضأ فإن لم تجد ماءً فتيمم ، أينقلني من الماء الذي ينظف إلى أن أمسح كَفَّيَّ بالتراب ثم ألمس بهما وجهي ؟ نعم ؛ لأن المسألة أمر من الله فُهمت علته أم لم تُفهم ؛ ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجدًا طهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) )رواه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر .

(( فتيمموا صعيدًا طيبًا ) )أي تكون واثقًا أنه ليس عليه نجاسة ، (( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) )، المسألة فيها (( جنب ) )وفيها كذا وكذا ... (( تيمم ) )، إذن فكلمة (( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) )ليس ذلك معناه أن التيمم خَلَف وبديل عن الوضوء فحسب ، ففي الوضوء كنت أتمضمض ، وكنت أستنشق ، وكنت أغسل الوجه ، وكنت أغسل اليدين ، وأمسح الرأس والأذنين ... مثلًا ، وأنا أتكلم عن الأركان والسنن .

وفي هذه الاية يوضح الحق: مادامت المسألة بصعيد طيب وتراب فذلك يصح سواء أكانت للحدث الأصغر أم للجنابة ، إذن فيكفي أن تمسح بالوجه واليدين .

ولماذا قال الحق في ذلك: (( إن الله غفوًا غفورًا ) )، لأنه غفر وستر علينا في المشقة في ضرورة البحث عن الماء ويسر ورخص لنا في التيمم .

والله أعلم

اللهم تقبل منا صالح الأعمال

من خواطر الإمام المرحوم / الشعراوي .

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب

قال النصارى: القرآن دل على تعظيم الحواريين والإنجيل ، وأنه غير مبدل ؛ بقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب } . وإذا صدقها لا تكون مبدلة ، ولا يطرأ التغيير عليها بعد ذلك لشهرتها في الأعصار والأمصار ، فيعذر تغيرها ، ولقوله تعالى في القرآن: {الَمَ * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } . والكتاب هو الإنجيل لقوله تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات والزبر والكتب المنير } . والكتاب ها هنا هو الإنجيل ، ولأنه تعالى لو أراد القرآن لم يقل ذلك ؛ بل قال هذا ، ولقوله تعالى: {آمنت بما أنزل الله من كتاب } .

والجواب:أن تعظيم الحواريين لا نزاع فيه ، وأنهم من خواص عباد الله الذين اتبعوا عيسى عليه السلام ، ولم يبدلوا ، وكانوا معتقدين لظهور نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في آخر الزمان ، على ما دلت عليه كتبهم وإنما كفر وخالف الحادثون بعدهم: وأما تصديق القرآن لما بين يديه فمعناه: أن الكتب المتقدمة عند نزولها قبل تغييرها وتخبيطها كانت حقا موافقة للقرآن ، والقرآن موافق لها ، وليس المراد الكتب الموجود اليوم ؛ فإن لفظ التوراة والإنجيل إنما ينصرفان إلى المُنزلين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت