فهرس الكتاب

الصفحة 1378 من 4557

فإن من الظواهر المرضية السقيمة التي تفشت في كثير من المجتمعات أن يعيش الإنسان لنفسه وحسب ، لا يبالي بمشكلات الآخرين ، بل لا يبالي لمشكلات جيرانه ، وإخوانه ، والأقربين منه ، وربما اعتقد أن الأمر لا يعنيه ، وتركه من حسن إسلامه ، وبذلك ضاقت مساحة الإصلاح في المجتمع وتقلصت وظيفة الأمر بالمعروف والتناصح والتعاون على البر والتقوى ، واتسعت مساحة الصمت ، وعدم إنكار المنكر ، والتهيب من المناصحة والتذكير .

غير أن الخطيب عندما يتعرض لذكر مثل هذه القصص ، والأحداث ، والوقائع ينبغي أن يتنبه إلى أمور مهمة حتى لا يكون لذلك آثار سيئه ، وانعكاسات ضارة تفسد بدل أن تصلح ، ومن هذه الأمور:

أ- التثبت الشديد ، والتوثق الأكيد من وقوع القصة أو الحادثة ، ولا يكفي أن يسمعها من بعض المصادر أو من بعض الأشخاص الذين لا يعرف مدى ضبطهم وإتقانهم ، وحرصهم على التثبت من الأخبار ، فإن مخالفة بعض هذه الأخبار والحوادث للواقع ، أو مجانبة بعض تفصيلاتها للحقيقة من شأنه أن يزلزل ثقة الناس بأخباره ونقوله ، مما ينعكس على خطبه ، ودروسه ، ومواعظه .

إن التثبت من النقل والأخبار منهج إسلامي أصيل يجب أن يراعيه المسلم في علاقاته المختلفة ، وعلى الأخص الخطباء ، والدعاة ، والوعاظ ، لأن دائرة النشر لديهم أوسع من غيرهم ، والجمهور المتلقي منهم أكبر من غيرهم .

إن الخطيب ، أو الداعية ليس"قرص أسطوانة"أو"شريطا"يسجل عليه الناس شائعاتهم ، ومقولاتهم ، وقصصهم كيف كانت ، لتعميمها من خلاله على الناس فلا يصح أن يقبل الخبر على علاته ، ولا يقبله من كل من دب ودرج ، فيجمع في كلامه بين الأروى والنعام ، بل يجب عليه أن يتحرى فلا يقبل الخبر إلا من الثقة ، الضابط المأمون ، والدليل لهذا الأصل وهذا المنهج الإسلامي قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [ الحجرات: 6 ] ، قال ابن جرير رحمه القه: قول الله تعالى: فَتَبَيَّنُوا أمهلوا حتى تعرفوا صحته لا تعجلوا بقوله ، وكذلك معنى فتثبتوا جامعالبيانفيتأويلالقرآن .

وقال أبو حيان رحمه الله: أمر يقتضي أن لا يعتمد على كلام الفاسق ، ولا يبنى عليه حكم . البحرالمحيط .

قال ابن كثير رحمه الله: يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له ، لئلا يحكم بقوله فيكون الحاكم قد اقتفى وراءه ، وقد نهى الله عز وجل من اتباع سبيل المفسدين ، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر ، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق ، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال . تفسيرالقرآنالعظيم .

وواضح من كلام العلماء أن الراوي لا يحذر من خبره لفسقه فقط ، بل إن الأمر يقتضي ذلك أيضا في حال كثرة الخطأ ، وكثرة الوهم ، وعدم الضبط ، لذلك قد يوصف الثقة عند المحدثين بالوهم ، وإنما خص الفاسق بالذكر لأن خبره قد يكون أشد عماء وأعظم خطرا من غيره ، والحذر لا يعني تمدد أثر الشك ليصبح هو الأصل في كل خبر ، ويصبح التشكيك في كل مخبر هو الأصل ."ومدلول الآية عام ، وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق ، فأما الصالح فيؤخذ بخبره ، لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة ، وخبر الفاسق استثناء ، والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره ، أما الشك المطلق في جميع المصادر ، وفي جميع الأخبار فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة . فيظلالالقرآن ."

ب- تنقية هذه القصص الوقائع وتمحيصها ، ليصل إلى ما يصلح منها لأن يذكره في الخطبة لاشتماله على العبرة والعظة ، ولكونه مناسبا للوسط الذي يعيش فيه المخاطبون ، ولا تنبو عنه أسماعهم ، أو تمجه عقولهم .

ج- الحذر من التصريح بذكر أشخاص القصة ، أو بعضهم ، أو مكانها ، أو بلدها إذا كان ذلك يؤذي بعض المخاطبين بل يحكيها على وجه التعميم ، لأن المقصود هو التوجيه لا التجريح ، والموعظة لا التسلية ، وربما لا يصلح حتى التعريض في بعض الأحيان ، كأن تقع القصة في قرية ، أو بلدة من البلدات الصغيرة ، فإن التعريض حينئذ يكون كالتصريح ، لأن القصة معلومة لدى الجميع ، أما في مجال الخير فلا بأس من ذكر الأشخاص أحيانا مع مراعاة أدب المدح في الإسلام .

الأستاذ عبد الرحيم الشريف

ماجستير في علوم القرآن والتفسير

وصلت إلى الموقع رسالة من أحد الإخوة يطلب فيها الإجابة على بعض الشبهات حول مزاعم أخطاء قصص القرآن الكريم.

ونحن في موقع موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة نرحب بأسئلتكم، وندعوكم للمشاركة في منتدى نور الحق للحوار حول ما يثار حول الإسلام العظيم من شبهات.

وهذه الشبهات هي التي أرسلها الأخ الكريم ونقدها.

الشبهة الأولى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت