فهرس الكتاب

الصفحة 1379 من 4557

آلهة قوم نوح -عليه السلام- بأسمائها تُعبد عند العرب بعد هلاك قوم نوح كلهم ، فكيف انتقلت هذه الآلهة بأسمائها إلى العرب المتأخرين رغم الانقطاع الكبير بين الأمتين ؟ ، لأن كثيرا من المفسرين قالوا إن عبادة تلك الأصنام انتقلت إلى العرب ، فقوم نوح و كل البشر هلكوا بسبب الطوفان ، و لم يبق منهم إلا أبناء نوح -عليه السلام- المؤمنين ، لقوله تعالى (( و جعلنا ذريته هم الباقين ) )، فكيف انتقلت تلك الآلهة بأسمائها نفسها إلى العرب المتأخرين؟

الجواب:

في البداية ينبغي التنبيه إلى تدليس موقع الإنترنت الذي أثار تلك الشبهة، فقد نقل عن الإمام فخر الدين الرازي قوله:"كيف ينقل نوح أصنامًا معه في السفينة بعد أن ظل طيلة ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا حسب رواية القرآن يحاربها؟ وهل يقبل عقل أن يكون نوح سببًا لإضلال قوم وهداية آخرين؟"

بينما نص عبارته في تفسيره مفاتيح الغيب 9/128:"هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم، ثم إنها انتقلت عن قوم نوح إلى العرب، فكان وَدّ لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير؛ ولذلك سمت العرب بعبد ود، وعبد يغوث، هكذا قيل في الكتب. وفيه إشكال؛ لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام؟ وكيف انتقلت إلى العرب؟ ولا يمكن أن يقال: إن نوحًا عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها؛ لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها، فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيًا منه في حفظها ؟".

وهنا يتبين تدليسهم، فهو لم يقل إن أحدًا من المفسرين قال بذلك، بل قال: لا يمكن القول بذلك، وشتان بين الأمرين.

أما جواب الشبهة الجواب: لا يمنع أن الشيطان الذين زين الشرك لأتباعه في زمن نوح عليه السلام، أن يزينه للقبائل العربية. أما بقاء الأصنام فهو غير مستبعد، لأن الطوفان أهلك الكائنات الحية في مكان حدوثه، ولم يهلِك الجمادات.

ونقل القرطبي في تفسيره 18/308 عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن الشياطين أخرجتها لمشركي العرب.

قلت: لا يستبعد أن تكون الشياطين وسوست لهم بأسمائها. أو نقل المؤمنون الناجون من قوم نوح أسماء الأصنام إلى أبنائهم، على أنها معلومات تاريخية ـ كما نعلم نحن بأسماء عشرات الأصنام للعرب وغيرهم ـ، ومنهم انتقلت إلى مَن بعدَهُم.. وهكذا، إلى أن عُبِدت.

الشبهة الثانية:

أهمل القرآن مقوِّمات التاريخ، فلم يحدّد الزمان والمكان، ولم يعيّن الأشخاص.

فليس هناك قصة قرآنية جاءت فيها هذه المقوّمات. فقصة موسى، رغم تكرارها، لم تذكر لنا تفاصيل دقيقة من حياته لا يستغني عنها المؤرخ، مثل ذكر صفة موسى ونسبه ووقت إرساله، والقصد من ذلك، وأين وكيف جعل هارون وزيرًا له وسبب ذلك؟ وما كان بينهما وبين القوم من جدلٍ وحوار، وغير ذلك مما لا يمكن الاستغناء عنه، لأن التاريخ لا يكون تاريخًا إلا به.

الجواب:

هذا ليس عيبا في القصص القرآني، بل دليل أكيد على أنها ليست بشرية. فقصص البشر هي التي تعنى بالزمان والمكان وأسماء الأشخاص لمجرد التسلية والمتعة والخيال، بينما القرآن الكريم قصصه جمَعَت بين أنها قصص حق، وأنها تركز على مكامن العبرة والعظة من القصص.

خذ هذه المقارنة مثلًا:

يجد الناظر إلى مختلف قصص الكتاب المقدس عند أهل الكتاب، الكثير من الإطالات التي لا فائدة منها، ومعلومات تاريخية لا قيمة لها، ولا علاقة لها بالوحي الإلهي، بل هي أقرب إلى السرد التاريخي ـ إن لم تكن أساطير ـ من القصص الهداف لكل منصف..

ومن الإطالات بلا داعٍ في كتبهم المقدسة، تلك المعلومات التاريخية التي تبلغ 90% من موضوعات الأسفار المقدسة، وكثير منها معلومات تافهة لا تفيد.. من ذلك ما ورد في سفر صموئيل"فبادرت أبيجال وأخذت مائتي رغيف خبز وزقي خمر، وخمسة خرفان مهيئة، وخمس كيلات من الفريك، ومائتي عنقود من الزبيب، ومائتي قرص من التين، ووضعتها على الحمير" [سفر صموئيل الأول 25/18] ، فما الذي أفاد البشرية معرفة ذلك ؟

وسفر الأيام الأول [24 - 27] يعرض لنا قائمة طويلة لوكلاء الملك داود وولاته، فما علاقة ذلك بالوحي؟

وفي سفر الملوك الأول إصحاحان كاملان في وصف الهيكل وطوله وعرضه وسماكته وارتفاعه وعدد نوافذه وأبوابه.. وتفاصيل تزعم التوراة أنها مواصفات يريدها الرب لمسكنه الأبدي (انظر سفر الملوك الأول 6-7) .

مع ملاحظة تناقضها مع موضع آخر، حين يقول العهد القديم:"هل يسكن الله حقًا على الأرض، هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت" [سفر الملوك الأول 8/27] .

وفي أخبار الأيام الأول [من الإصحاح الأول إلى التاسع] ست عشرة صفحة كلها أنساب لآدم وأحفاده وإبراهيم وذريته.

ثم قائمة أخرى [في سفر عزرا 2/1-67] بأسماء العائدين من بابل حسب عائلاتهم، وأعداد كل عائلة إضافة لأعداد حميرهم وجمالهم.. الخ

كما ثمة قوائم أخرى بأعداد الجيوش والبوابين من كل سبط، وعدد كل جيش.. الخ (انظر الأيام 23/1 - 27/34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت