فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 4557

وفي سفر الخروج يأمر موسى بصناعة التابوت بمواصفات دقيقة تستمر تسع صفحات، فهل وحي ينزل بذلك كله وغيره مما يطول المقام بتتبعه.

بينما التفاصيل الدقيقة في القصص القرآني جاءت لخدمة غرض العبرة من القصة الكريمة، كقوله تعالى ممتنًا على الفتية المؤمنين أهل الكهف:"وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ.." [الكهف: 18] جاعلًا تقليبهم أهم في القصة من أسمائهم، بل أهم من عددهم.. وذلك لبيان مزيد عناية الله جل جلاله بعباده المؤمنين، الذين اعتزلوا باطل مجتمعهم، ففضلوا تراب أرض الكهف، على فراش البيت الوثير.. فكان تقليبهم ـ حتى لا تتقرح جنوبهم ـ منسوبًا إلى الله جل جلاله، وعبَّر عنه بنون العَظَمَة"نُقَلِّبُهُمْ"تشريفًا لهم، وهل هنالك عناية وتكريم أكثر من ذلك ؟

إن التفاصيل المملة في القصص دليل بشرية مصدره، فالكتاب الإلهي (المقدس) أعلى وأجل من الغرق في تفاصيل لا تهم سائر الناس.

والأسوأ من الخوض في تفاصيل القصص التي بلا فائدة منها: إقحام قصص في الكتاب الديني عند الحديث في تفاصيل حياة شخصية لا علاقة لها بالمؤمنين من بعد. حيث يجد الناظر إليه عشرات المواضع التي تشهد باستخدام الكتاب المقدس في حمل رسائل شخصية لا علاقة للوحي بها، ومن ذلك:"يسلم عليك أولاد أختك". [يوحنا 2/ 13] . ويرسل يوحنا المزيد من السلامات لأحبابه"غايس الحبيب الذي أحبه بالحق. أيها الحبيب في كل شيء أروم أن تكون ناجحًا وصحيحًا... سلام لك، يسلم عليك الأحباء، سلم على الأحباء بأسمائهم" [يوحنا 3/ 1-14] .

وفي رسائل بولس مثل ذلك، ومنه:"تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم.. أكيلا وبريسكلا.. يسلم عليكم الإخوة أجمعون، سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة". [كورنثوس الأولى16/19 - 20] .

ويواصل بولس تسجيل رغباته الشخصية وأخبار أصدقائه في كورنثوس، فيقول:"الرداء الذي تركته في تراوس عند كابرس أحضِرهُ متى جئت، والكتب أيضًا لاسيما الرقوق.. سلم على ريسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس، أراستس بقي في كورنثوس، وأما ترو فيمس فتركته في ميليتس مريضًا. بادر أن تجيء قبل الشتاء.." [تيموثاوس الثانية 4/13 - 21] .

الفرق في تفاصيل القصص دليل بشريتها، فكيف يكون الدليل الذي عليهم دليلًا لهم، والدليل على ربانية مصدر القرآن الكريم دليلًا علينا ؟!

تتميز القصة القرآنية بحسن اختيار الأحداث، بذكر ما يناسب من أحداثها لمناسبة سياق الآيات الكريمة السابقة واللاحق لتلك القصة، وبالالتزام بعرض الوجه الأحسن من القصة، والإعراض عما لا خير فيه، مما لا يفيد العلم به تطبيقًا وموعظة.. ولهذا كان اقتصار القصص القرآني على ثمار القصة اليانعة، دون ذكر الغث من تفاصيلها؛ ولذلك فقصص القرآنية: أحسن القصص.

وهذه ميزة للقرآن الكريم بخلاف المعهود المعدود في الكتب المقدسة لليهود والنصارى، حيث تعرض القصة كاملة بخيرها وشرها. ولقد حوت قصص أهل الكتاب نتيجة لذلك على كثير من الجوانب الضارة في التعليم والتربية.

وكل قصة من قصص القرآن الكريم تجد التوجيه التربوي فيها واضح، ويستطيع أي متدبر لها تحديد غرض أو أغراض كثيرة، من حيث التكليف للدعوة والتعليم والتربية..

والتعميم في زعم عدم اكتمال مجريات السرد التاريخي لجميع القصص القرآني تعميم مغلوط، فالمتدبر للقصص القرآني يلاحظ تغاير أسلوب القصص، فمرة تعرض القصة من أولها، ومرة من وسطها، ومرة من آخرها. وتارة تعرض كاملة، وتارة يكتفي ببعض حلقاتها، وتارة تتوسط بين هذا وذاك.. حسبما تكمن العبرة في هذا الجزء أو ذاك على النحو التالي:

1.نجد قصصًا تعرض منذ الحلقة الأولى: حلقة ميلاد بطلها، لأن في مولده عظة بارزة، وذلك مثل:

أ) قصة سيدنا آدم عليه السلام بدأت منذ خلقه، وفيها مظهر لقدرة الله جل جلاله، وكمال علمه، ونعمته على آدم وبنيه. وفي حادثة إبليس معه ما فيها من أغراض دينية.

ب) ومثلها قصة مولد سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، وهو يعرض بتفصيل كامل، ذلك أن مولده هو الآية الكبرى في حياته؛ وحول هذا المولد قام الجدل كله؛ وعنه تفرعت كل قضايا النصرانية قبل الإسلام وبعده.

ج) وقبلها قصة مولد سيدنا موسى عليه السلام؛ لأن لمولده في عهد اضطهاد بني اسرائيل، وتذبيح الذكور من أطفالهم، ونجاته هو من ذلك مع وجوده بين آل فرعون أنفسهم.. قيمة خاصة في بيان رعاية الله له، وإعداده إعدادًا خاصًّا للمهمة التي سينهض بها. ثم تذكر من حياته حلقاتها ذات المغزى.

د) وإسماعيل وإسحاق ـ عليهما السلام ـ عرض القرآن الكريم قصة مولدهما؛ لأن في هذا المولد عبرة.

هـ) وكذلك يذكر مولد يحيى لزكريا ـ عليهما السلام ـ بعد أن وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت