فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أما القول الأول: فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا } [ العنكبوت: 67 ] وقوله: { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } [ القصص: 57 ] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم ، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه ، وأيضًا فالقتل المباح قد يوجد فيه ، قال الله تعالى: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم } [ البقرة: 191 ] فأخبر عن وقوع القتل فيه .
القول الثاني: أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل ، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنًا من الغارة والقتل ، فكان البيت محترمًا بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه ، لا يهيجون على أحد التجأ إليه ، وكانوا يسمون قريشًا: أهل الله تعظيمًا له ، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب ، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام:
كتب السيف البتار
"وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ; (آية 125) ."
روى البخاري وغيره عن عمر قال: وافقتُ ربي في ثلاث: قلتُ يا رسولَ اللهِ لو اتخذْتَ من مقام إبراهيم مُصلَّى فاقتبسها وأوردها في قرآنه!ى وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهنّ البَرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن فاقتبسها وأوردها في الأحزاب 33: 53. واجتمع على محمد نساؤه في الغيرة فقال عمر لهنّ: عسى ربه إن طلقكنّ أن يبدّله أزواجًا خيرًا منكنّ فاقتبسها وأوردها في التحريم 66: 5. (البخاري كتاب المناقب، باب مناقب عمر) .
وفي رواية أنه لما مرّ عمر من مقام إبراهيم قال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربنا؟ قال: بلى. قال: أفلا نتَّخذه مُصلّى؟ فلم نلبث إلا يسيرًا حتى نزلت (أسباب النزول للسيوطي سبب نزول البقرة 2: 125) .
(1) لا يجوز أن يُؤخذ كلام الوحي من أقوال الناس أو من رأيهم، وإلا فيلزم أن يكون عمر رسولًا ونبيًا، وهو ليس كذلك.
(2) اتَّبع محمد رأي عمر في مسألة نسائه، فأشار عليه أن يمنع الناس عن الدخول عليهن فسمع له، وقال إن الله أوحى إليه بذلك. كما اتَّبع رأي عمر في غيرة نسائه من بعضهن. وكان الواجب على محمد أن يقتصر على إتِّباع رأي عمر في أموره الخاصة، ولا يورد ذلك في القرآن، فإنه لا يترتّب على نصيحة عمر عبادةٌ ولا حكمٌ.
تعريف أسباب نزول القرآن:
لغة: الحبل. ثم استعمل لكل شيء يتوصل به إلى غيره.
شرعًا: ما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه. مثاله: زوال الشمس علامة لوجوب الصلاة، وطلوع الهلال علامة على وجوب صوم رمضان في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] .
ب-أسباب النزول:
1 -قسم نزل بدون سبب ، وهو أكثر القرآن.
2-قسم نزل مرتبط بسبب من الأسباب. ومن هذه الأسباب:
أ- حدوث واقعة معينة فينزل القرآن الكريم بشأنها:
عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [ الشعراء: 214] . خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فاجتمعوا إليه فقال"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟.."الحديث ، فقال أبو لهب تبًا لك، إنما جمعتنا لهذا، ثم قام، فنزل قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] .
ب-أن يُسال الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء، فينزل القرآن ببيان الحكم مثال ذلك: عن عبد الله قال: إني مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة وهو متكىء على عسيب، فمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون، فأتاه نفر منهم فقالوا له: يا أبا القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام، فأمسك وجهه بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه، فأنزل الله عليه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} [الإسراء: 85] .
جـ- الحكمة والفوائد من أسباب النزول.
1-الحكمة:
أ- معرفة وجه ما ينطوي عليه تشريع الحكم على التعيين لما فيه نفع المؤمنين وغير المؤمنين، فالمؤمن يزداد إيمانًا على إيمانه لما شاهده وعرف سبب نزوله، والكافر إن كان منصفًا يبهره صدق هذه الرسالة الإلهية فيكون سببًا لإسلامه، لأن ما نزل بسبب من الأسباب إنما يدل على عظمة المُنزل وصدق المُنزَل عليه.
2-الفوائد:
أ- الاستعانة على فهم الآية وتفسيرها وإزالة الإشكال عنها، لما هو معلوم من الارتباط بين السبب والمسبب.
قال الواحدي: لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.