فهرس الكتاب

الصفحة 1373 من 4557

هذه المدة، أي ثلاث وعشرون سنة كانت مدة ضرورية لكي يتقبل إنسان ذلك العهد الكثير من الأوامر ومن النواهي، وكانت ضرورية للإزالة التدريجية أو الإنشاء والبناء التدريجي لكثير من الأمور والمسائل. فمثلًا تم تحريم الخمر في هذه المدة على ثلاث أو أربع مراحل، وحرم وأد البنات على مرحلتين. وتم تنظيم الحياة القبلية البدائية وتأمين الوحدة بينها، وإيصال الناس إلى الشعور الاجتماعي، أي تم إكسابهم خصال ولياقة تشكيل مجتمع. ولم يتم هذا الاّ بمحاربة العادات والأخلاق الفاسدة وإقامة الأخلاق السامية مكانها بإجراءات غاية في الصعوبة. وكانت كل هذه الأمور بحاجة إلى فترة زمنية أطول.

ثم إننا نقول حاليًا كانت ظروف هذه السنة كذا، لذا يقتضي إقامة التوازن الاجتماعي الفلاني والتنظيم الفلاني، ويتم حساب تغير الشروط في السنة القادمة، وتعيير الخطط وضبطها حسب التغيرات والشروط المتوقعة في السنوات القادمة. وهكذا نقوم بأخذ طبيعة الأمور وطبيعة الأشياء بنظر الاعتبار لكي يتم التلاؤم معها. وشبيه بهذا ما كان يحدث في العهد النبوي.

فالمسلمون كانوا ينمون تدريجيًا كنمو شجرة باسقة ويتلاءمون ويتكيفون مع الظروف والشروط الجديدة. وفي كل يوم كان هناك من يلتحق بركب الإسلام، وكان هناك في كل يوم شعور جديد وفكر جديد وتكييف جديد لتحويل الفرد إلى فرد إجتماعي. كان هذا يحدث بشكل تدريجي، ولكنه يحدث بشكل متناسق ومتناغم وبشكل متعاقب. وهكذا أصبحت هذه المراحل تعكس الخصائص والحقائق الخالدة للإسلام ضمن نواة صغيرة في البعد الزمني.

ولو لم يحدث هذا ضمن ثلاث وعشرين سنة، أي لو طلب إحداث كل هذه التغيرات مرة واحدة وبشكل آني، لما تحمل ذلك المجتمع البدوي ذلك. نستطيع تشبيه ذلك بشخص يتعرض لأشعة الشمس. فهذا يحدث تغييرًا في جلده. ولو ذهب إلى بلدان باردة لحدث بعض التغيرات الصغيرة عنده. ولكن لا يمكن لهذا الشخص تحمل عشرين طفرة كبيرة مرة واحدة، لأن أي حي يتعرض لمثل هذه التغيرات الكبيرة سيموت. وهذا يشبه ارتفاع شخص يعيش تحت ضغط جوي واحد إلى ارتفاع عشرين ألف قدم بشكل فجائي. فمثل هذا الارتقاع الفجائي سيؤدي إلى موته. وحتى الطائرات عندما تصعد إلى مثل هذا الارتفاع فإنه يتم أخذ التدابير اللازمة كأقنعة الاكسجين وغيرها.

وكما يؤدي الارتفاع المفاجئ إلى عشرين ألف قدم إلى موت الإنسان. كذلك فإن مطالبة مجتمع يملك تصورًا بدائيًا للحياة وللفرد وللعائلة بجميع أحكام القرآن -إن كان القرآن نازلًا مرة واحدة- دفعة واحدة والقول"هاكم... هذه هي أحكام القرآن... طبقوها كلها دون نقص"، لو قيل هذا لما استطاع أحد أن يقبل ذلك. لآن هذا كان يعني ارتفاع المجتمع إلى علو عشرين ألف قدم دفعة واحدة، ولما كان باستطاعة ذلك المجتمع تحمل ذلك. لذا فإن نزول أحكام القرآن على مهل طوال 23 سنة هو رعاية لمقتضى فطرة الإنسان وطبيعته البشرية.

بما أننا لا نستطيع فصل الإنسان عن الكون، لذا كان علينا تناوله حسب طبيعة الحوادث الجارية فيه. لأننا لا نستطيع النظر إليه خارج التطورات الجارية في الكون. فكما يتم النمو في الكون بشكل تدريجي، وتجري قوانينه حسب هذا الاتجاه، كذلك فإن نمو الإنسان وسموه وتكامله يجري بالنمط نفسه. وهذا هو السبب في نزول القرآن الذي هو أساس الرقي ومجموع المبادئ السامية على مهل طوال ثلاث وعشرين سنة.

لقد كان من حكمة الله جعل هذه الفترة الزمنية 23 سنة، وكان من الممكن أن تكون 24 أو 25 سنة. وقد اقتضى القدر الإلهي أن يكون عمر سيد الأنبياء صلى الله عليه و سلم 63 سنة وأن يختتم هذا العمر بعد 23 سنة من نبوته. وكان من الممكن أن يكون عمره 64 سنة، عند ذلك بلغت سنوات الوحي 24 سنة، وكنا نرى هذه المدة ضمن الإطار نفسه من الحكمة الإلهية. والله أعلم.

[1] المقصود هو مجموع ركعات الفرض والسنة في صلاة الظهر. (المترجم)

[2] تقوم جمعيات الهلال الاخضر بمحاربة المسكرات. (المترجم) ... ...

العبرة من أختلاف الالفاظ في القصص القراني عند سرد القصة بسورة أخرى

المجيب د.محمد بن سريّع السريّع

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

التصنيف القرآن الكريم وعلومه/ مسائل متفرقة في القرآن

التاريخ 21/11/1425هـ

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت