فهرس الكتاب

الصفحة 1334 من 4557

أولًا: إن الكعبة ليست من بناء الوثنيين كما جاء في الكتب التاريخية التى لا يشك أحد في أن لليهود دخل فيها. وإنما هى من بناء نوح ـ عليه السلام ـ فإنه لما خرج من السفينة ، ونجا من الغرق هو ومن آمن معه. بنى"مذبحًا"لذبح الحيوانات عنده قربانًا لله تعالى. ففى التوراة:"وبنى نوح مذبحًا للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ، ومن كل الطيور الطاهرة ، وأصعد محرقات على المذبح" [تك 8: 20] وهذا المذبح كان في أرض مكة المكرمة المدينة التى استقر الفلك فيها على الجُودِىّ. والدليل على ذلك قول التوراة: إن الناس من بعد نوح ارتحلوا شرقًا إلى أرض شنعار التى هى أرض العراق. فارتحالهم إلى الشرق إلى العراق يدل على أن السفينة كانت في بلاد العرب. ذلك قوله:"وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة. وحدث في ارتحالهم شرقًا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار ، وسكنوا هناك" [تك 11: 1ـ2] .

وليس في القرآن نصوص صريحة على أن العرب قد عبدوا الأصنام حتى يقال: إن الكعبة كانت لصنم رُحل. وفى التوراة نصوص صريحة على أن اليهود وأدوا نبيهم وبناتهم في النار للعرافة والسحر وأنهم عبدوا الأصنام. بل وفى القرآن نصوص صريحة على أن اليهود عبدوا صنم البعل في أيام إلياس ـ عليه السلام ـ ففى الزمور المائة والسادس:"وأهرقوا دمًا زكيًّا. دم نبيهم وبناتهم الذين ذبحوا لأصنام كنعان وتدنست الأرض بالدماء" [مز 106: 38] . وفى الإصحاح الخامس والستين من سفر إشعياء:"أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسى ، ورتبوا للسعد الأكبر مائدة ، وملأوا للسعد الأصغر خمرًا ممزوجة.." [إش 65: 11] .

فى ترجمة الكتاب المقدس في الشرق الأوسط سنة 1995م تحت كلمة السعد الأكبر: لجاد وهو المشترى ، وتحت كلمة السعد الأصغر: لمَنَى وهو الزهرة.

وفى ترجمة 1995م بلبنان:"ونسيتم جبلى المقدس. وهيأتم مائدة للإله جاد ، ومزجتم الخمر للإلهة مناة"والتعليق عندهم هكذا: جاد ومناة إلهان عند الكنعانيين.

هذا مما في التوراة عن عبادة اليهود للأصنام ومما فيها:"بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا ، وبعدد شوارع أورشليم وضعتم مذابح للخزى ومذابح للتبخير للبعل" [إرمياء 11: 13] .

ويمكن الفهم من آيات في القرآن أن العرب بنى إسماعيل ـ عليه السلام ـ لم يعبدوا الأصنام قط. فإبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو يبنى الكعبة ولم يكن له من ولد غير إسماعيل ، يطلب من الله طلبين في ذريته:

أولهما: أن يجنبهم عبادة الأصنام ، وثانيهما: أن يبعث فيهم نبيًّا منهم.

وإذ شهد الواقع بتحقيق الطلب الثانى فإن محمدًا قد أرسل ؛ يكون الطلب الأول قد تحقق أيضًا.

وفى القرآن أن الله قد عاهد إبراهيم وإسماعيل بتطهير الكعبة من الأصنام ولم يذكر أنهم نقضوا العهد. كما ذكر أن اليهود نقضوا في قوله (فبما نقضهم ميثاقهم.. ) (1) .

وأما قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة.. ) (2) فإن في التوراة أن اليهود عبدوا صنم مناة. والضمير فى (أفرأيتم) يحتمل أنه للعرب ويحتمل أنه لليهود. واحتمال عوده إلى اليهود أقوى لوجود شواهد في التوراة عليه. ولا يقدر عاقل على اتهام بدليل محتمل.

وأما قوله تعالى: (وإذا الموءودة سُئلت بأى ذنب قتلت ) (3) ففى التوراة أن اليهود وأدوا نبيهم وبناتهم. وليس في القرآن من نص صريح على نسبة الوأد إلى العرب.

إن في القرآن أن فرعون طلب من هامان أن يبنى له برجًا. وهذا خطأ لأن البرج من بناء الناس فى"بابل"من بعد نوح.

الرد على الشبهة:

إن فرعون طلب من وزيره الملقب بهامان أن يوقد له على الطين ليجعل له صرحًا. ولم يرد في القرآن أنه أوقد له على الطين وجعل له صرحًا. ولو أنه أوقد وجعل فما هو الدليل على أن صرح مصر هو برج بابل ؟ ومن المحتمل أنه أراد ببناء الصرح ؛ التهكم على موسى.

الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3704)

المراد بالصرح في قوله - تعالى -: { وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحًا . . . } البناء العالى المكشوف للناس ، الذى يرى الناظر من فوقه ما يريد أن يراه ، مأخوذ من التصريح بمعنى الكشف والإيضاح .

والأسباب: جمع سبب ، وهو كل ما يتوصل به إلى الشئ ، والمراد بها هنا: أبواب السماء وطرقها ، التى يصل منها إلى ما بداخلها .

أى: وقال فرعون لوزيره هامان: يا هامان ابن لى بناء ظاهرا عاليا مكشوفا لا يخفى على الناظر وإن كان بعيدا عنه ، لعلى عن طريق الصعود على هذا البناء الشاهق أبلغ الأبواب الخاصة بالسموات ، فأدخل منها فأنظر إلى إله موسى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت