فهرس الكتاب

الصفحة 2144 من 4557

الجواب: أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعًا لم يخرج ذلك الوارد شرعًا عن أن يكون ناسخًا ويحل محل قوله: { فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ } إلى أن أنسخه عنكم.

2)السؤال الثاني: كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟

والجواب: أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شرًا وقتالًا.

القول الثاني: في التفسير قوله: { فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ } حسن الاستدعاء، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول.

أما قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره

لنصل في النهاية أنه مازال اهل الكتاب يسعون لرد المسلمين عن دينهم إلى الآن ، أليست الآية كانت تحتاج إلى وحي لأنها كشفت ما في قلوب أهل الكتاب ضد المسلمين إلى الآن ، ويتضح ذلك من طرح اهل الكتاب شبهة مثل هذه بجهالة

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً

"قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ; (آية 94) رُويَ أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا. وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. فكذَّبهم محمد بهذه العبارة. وهذا التكذيب مجرد من الأدلة العقلية المنطقية. وبيان ذلك أن أبناء الله لا يتمنُّون الموت، بل يسلّمون الأمر لله، إن شاء أبقاهم لتمجيد اسمه وإذاعة حمده وشكره، وإن شاء نقلهم إلى دار النعيم. من الغرائب أن ابن عباس روى عن محمد أنه قال: لو تمنّوا الموت لغصَّ كل إنسان بريقه، وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات. وهو كلام غير معقول."

الرد

{ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } * { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ } * { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }

{ خَالِصَةً } نصب على الحال من الدار الآخرة. والمراد الجنة، أي سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق. يعني إن صحّ قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا.

و { النَّاسِ } للجنس وقيل: للعهد وهم المسلمون

{ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ } لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى:

كان علي رضي الله عنه يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين. فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت.

وعن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة محمدًا وحزبه. وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي"

{ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد وبما جاء به، وتحريف كتاب الله، وسائر أنواع الكفر والعصيان.

وقوله: { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله: { وَلَن تَفْعَلُواْ } فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟

قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك.

فإن قلت: التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت: أنهم لم يتمنوا؟

قلت: ليس التمني من أعمال القلوب إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك

فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت