ويجوز أن تكون جملةً معترضة وهي من كلام الله تعالى لنوح فتكون الواو اعتراضية ويقدر قول محذوف: وقلنا لا تزد الظالمين . والمعنى: ولا تزد في دعائهم فإن ذلك لا يزيدهم إلاّ ضلالًا ، فالزيادة منه تزيدهم كفرًا وعنادًا . وبهذا يبقى الضلال مستعملًا في معناه المشهور في اصطلاح القرآن ، فصيغة النهي مستعملة في التأييس من نفع دعوته إياهم . وأعلَمَ الله نوحًا أنه مهلكهم بقوله: { أُغْرقوا فأُدْخلوا نارًا } الآية [ نوح: 25 ] وهذا في معنى قوله: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد ءامن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } [ هود: 36 ، 37 ] .
ألا ترى أن ختام كلتا الآيتين متحد المعنى من قوله هنا أغرقوا وقوله في الآية الأخرى إنهم مغرقون .
إن في القرآن تناقض في نهاية فرعون. ففى سورة يونس: (فاليوم ننجيك ببدنك ) (1) وهذا يدل على نجاته من الغرق ، وفى سورة القصص: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) (2) وهذا يدل على غرقه.
الرد على الشبهة:
إن المؤلف لم يفسر (فاليوم ننجيك ببدنك) على المعنى الظاهرى. وهو إبعاد الجثة عن الهبوط في اليم ، وتركها على الشاطئ حتى يضعها المحنطون في المقبرة فيراها كل المصريين فيعتبروا ويتعظوا. وفسر على المعنى المجازى كناية عن إفلاته من الغرق. ووجّه
الشبهة على المعنى المجازى وليس على المعنى الحقيقى.
والمعنى المجازى الذى به وجّه
الشبهة ؛ موجود في التوراة عن فرعون. ففيها أنه لم يغرق ، وموجود فيها ما يدل على غرقه. وهذا هو التناقض الذى نسبه إلى القرآن. وسوف نبين ما في التوراة من التناقض عن غرق فرعون. ونسأله هو أن يوفق بين المعنيين المتناقضين. وما يجيب به في التوفيق ؛ يكون إجابة لنا.
ففى الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج:"فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذى دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولا واحد"وفى الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر:"تغطيهم اللجج. قد هبطوا في الأعماق كحجر"وفى تفسير التوراة ما نصه:"ولا سبيل لنا هنا إلى الحكم بغرق فرعون ، إذ لا دلالة عليه في هذا النبأ ، ولا من قول المرنِّم [ مز 78: 53 و 106: 11] وساق المفسرون أربع حجج على عدم غرقه. ومعنى قولهم: إن قول المرنِّم لا يدل على غرقه هو: أن داود ـ عليه السلام ـ في المزمور 78 والمزمور 106 قال كلامًا عن فرعون لا يدل صراحة على غرقه."
ونص 78: 3 هو"أما أعداؤهم فغمرهم البحر"ونص 106: 11 هو"وغطّت المياه مضايقيهم. واحد منهم لم يبق".
هذا عن عدم غرق فرعون. وأما عن غرقه ففى المزمور 136: 15"ودفع فرعون وقوته في بحر يوسف ؛ لأنه إلى الأبد رحمته"وفى ترجمة أخرى:"أغرق فرعون وجيشه في البحر الأحمر إلى الأبد رحمته (3) "ومفسرو الزبور ـ وهم أنفسهم الذين صرحوا بعدم غرق فرعون ـ كتبوا عن فرعون:"فإن هذا الأخير قد حاول جهد المستطاع أن يرجع الإسرائيليين إلى عبوديتهم ؛ فما تم له ما أراد ، بل اندحر شر اندحار"انتهى.
ومن هذا الذى قدمته يكون من الواجب على المؤلف حل التناقض الموجود عنده في أمر فرعون ، قبل أن يوجه كلامه إلى القرآن.
عندما تسلم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران زمام الحكم في فرنسا عام 1981 طلبت فرنسا من مصر في نهاية الثمانينات استضافة مومياء فرعون لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية .. فتم نقل جثمان أشهر طاغوت عرفته الأرض .. وهناك عند سلم الطائرة اصطف الرئيس الفرنسي منحنيًا هو ووزراؤه وكبار المسؤولين الفرنسيين ليستقبلوا فرعون
وعندما انتهت مراسم الإستقبال الملكي لفرعون على أرض فرنسا .. حُملت مومياء الطاغوت بموكب لا يقل حفاوة عن استقباله وتم نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح دراسة تلك المومياء واكتشاف أسرارها ، وكان رئيس الجراحين والمسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء هو البروفيسور موريس بوكاي
كان المعالجون مهتمين بترميم المومياء ، بينما كان اهتمام موريس هو محاولة أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني ، وفي ساعة متأخرة من الليل ظهرت النتائج النهائية .. لقد كانت بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقا ، وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فورا ، ثم اسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه
لكن أمرًا غريبًا مازال يحيره وهو كيف بقيت هذه الجثة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها استُخرجت من البحر ! كان موريس بوكاي يعد تقريرًا نهائيا عما كان يعتقده اكتشافًا جديدًا في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة ، حتى همس أحدهم في أذنه قائلا: لا تتعجل .. فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء