فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 4557

لم تنشأ الرأسمالية في العالم الإسلامي لأنها نشأت بعد اختراع الآلة . وهذا تم - كما نعلم - في العالم الغربي . ولم يكن ذلك حتمًا ، لأنه كان يمكن أن يحدث في الأندلس على يد العرب المسلمين ، لو استمرت الدولة الإسلامية قائمة هناك ، ولم يقتلها التعصب الديني ، ومحاكم التفتيش التي تمثل أبشع ما حدث في تاريخ العالم من اضطهاد بسبب العقيدة ، والتي كانت موجهة في حقيقتها إلى المسلمين .

نعم . كانت الحركة العلمية في الأندلس سائرة في طريقها الطبيعي إلى اختراع الآلة ، ولكن الظروف السياسية التي طردت المسلمين من هناك أخرت التقدم العلمي عن موعده بضعة قرون حتى أفاقت أوربا من غشيتها ، وتسلمت علوم المسلمين ، وعلوم الإغريق التي كانت هي الأخرى في رعاية الجامعات الإسلامية ، وانطلقت - من ثم - تشق طريقها في متدان الاختراع .

وإنما انتقلت الرأسمالية إلى العالم الإسلامي وهو مغلوب على آمره ، واقع في قبضة الأوربيين ، غارق في الفقر والجهل والمرض والتأخر ، فسرت فيه بحكم"التطور"، وظن بعض الناس - لذلك - أن الإسلام يقبل الرأسمالية بخيرها وشرها ، وانه ليس في نظمه وتشريعاته ما يعارضها أو يقف دونها ، لأنه يبيح الملكية الفردية ، وهذه قد صارت بحكم التطور الاقتصادي العالمي إلى ملكية رأسمالية . وما دام الإسلام يبيح الأصل فهو يبيح النتائج بطبيعة الحال !

وكان يكفي للرد على هؤلاء أن نذكر بديهية صغيرة يعرفها كل من درس الاقتصاد . وهي أن الرأسمالية لا يمكن أن تقوم وتأخذ صورتها الواسعة التي هي عليها اليوم بغير الربا والاحتكار ، والإسلام قد حرمهما كليهما قبل نشوء الرأسمالية بأكثر من ألف عام !

ولكنا لا نريد أن نتعجل الرد على أولئك المبطلين ، ونريد أن نفترض أن اختراع الآلة قد نشأ في العالم الإسلامي - كما كان يمكن أن يحدث - فكيف كان الإسلام سيواجه التطور الاقتصادي الذي سينشأ لا محالة نتيجة اختراع الآلة ، وكيف كان سينظم علاقات العمل والإنتاج في ظل نظمه وتشريعاته ؟

يجمع كتاب الاقتصاد حتى المعادون منهم للرأسمالية - وعلى رأسهم كارل ماركس على أن الرأسمالية في نشأتها كانت خطوة تقدمية جبارة ، وأنها أدت خدمات هائلة للبشرية في شتى مناحي الحياة ، فقد زادت الإنتاج ، وأصلحت وسائل المواصلات ، واستغلت موارد الطبية على نطاق واسع لم يكن متاحا من قبل ، ورفعت مستوى الحياة بالنسبة لطبقة العمال عما كانوا عليه في عهد الاعتماد الكلي أو الرئيسي على الزراعة .

ولكن هذه الصفحة المشرقة لم تدم طويلًا ، لان الرأسمالية - بتطورها الطبيعي كما يقولون - قد أدت إلى تكدس الثروات في أيدي أصحاب رؤوس الأموال ، وتضاؤلها النسبي المتزايد في أيدي العمال . فصار صاحب رأس المال يشغل العامل - وهو وحده المنتج الحقيقي في نظر الشيوعية - لإنتاج أكبر قدر من المنتجات ، ويعطيه أجرًا ضئيلًا لا يفي بالحياة الكريمة لجمهور العمال - الكادحين - مستخلصًا لنفسه"فائض القيمة"في صورة أرباح فاحشة يعيش بها حياة ترف فاجرة لا تقف عند حد .

هذا فضلًا على حقيقة أخرى: وهي أن ضآلة أجر العامل تمنعه من استهلاك كل إنتاج المصانع في البلاد الرأسمالية ، لأنه لو أخذ من الأجر ما يكفي لاستهلاك الناتج كله أو معظمه لانتفى ربح رأس المال أو لتضاءل إلى أقصى حد . وهذا ما لا تسمح به الرأسمالية لأنها تنتج للربح أولًا قبل كل شيء . ومن هنا تتكدس البضائع سنة بعد سنة ، وتبحث الدول الرأسمالية عن أسواق جديدة لتصريف بضائعها . فينشأ الاستعمار ، وما يتلوه من تطاحن على الأسواق وعلى موارد المواد الخامة ينتهي بالحروب المدمرة ..

ومع ذلك كله فلا بد أن تحدث في ظل النظام الرأسمالي أزمات دورية نتيجة الانكماش الذي ينشأ من ضآلة الأجور وضآلة الاستهلاك العالمي بالنسبة للإنتاج المتزايد ..

وبغض النظر عن التفكير العجيب الذي يجعل دعاة المادية والمؤمنين بجبرية الاقتصاد يقولون: إن هذا كله لا ينشأ عن سوء نية أصحاب رؤوس الأموال ولا رغبتهم الذاتية في الاستغلال ، وإنما هذا من طبيعة رأس المال ! ! بغض النظر عن هذا التفكير الساذج العجيب الذي يجعل الإنسان كله بأفكاره ومشاعره مخلوقًا سلبيًا لا حول له ولا قوة أمام قوة الاقتصاد .. فإننا نعود إلى الفرض الذي افترضناه . وهو نشأة الرأسمالية في العالم الإسلامي .

فأما الخطوات الأولى التي يجمع كتاب الاقتصاد بما فيهم كارل ماركس على أنها كانت خيرًا عميمًا للبشرية ، أو على الأقل كان الخير فيها غالبًا على الشر فان الإسلام لم يكن ليقف في سبيلها ، لأنه لا يكره الخير للبشرية ، بل مهمته الدائمة هي نشر الخير في ربوع الأرض.

ومع ذلك فهو لم يكن ليتركها وشأنها بدون تشريع ينظم علاقاتها ، ويمنع ما قد يصاحبها من سوء استغلال ، سواء كان ناشئًا من نية خبيثة عند صاحب رأس المال ، أو كان من طبيعة رأس المال ذاته دون دخل لصاحبه فيه ! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت