فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 4557

كذلك لم تحدث حركة فرار بين الفلاحين كما حدث في أوربا ، لأن الفلاحين كانوا أحرارا في الانتقال لا من مزرعة إلى مزرعة فحسب ، بل من قطر إلى قطر في داخل العالم الإسلامي الواسع الممتد من المحيط إلى المحيط ، لا يحبسهم عن حرية التنقل شيء إلا أن يكون رغبتهم الخاصة في البقاء في بقعة معينة من الأرض ، كما هي طبيعة الفلاحين المصريين مثلًا . ولكن غيرهم من الفلاحين في العالم الإسلامي كانوا أقل شعورًا برابطة الأرض وأكثر قدرة على التنقل ، فلم يقف في سبيلهم مانع من الموانع التي وقفت في سبيل الفلاحين الأوربيين من تبعية والتزامات .

وأما شراء الفلاحين لحريتهم بالمال فإنه لم يحدث بطبيعة الحال في العالم الإسلامي ، لسبب بسيط هو أنهم كانوا أحرارًا بالفعل ، فلا حاجة بهم إلى شراء الحرية .

يضاف إلى ذلك كله ، أن العالم الإسلامي كان يشتمل على عدد كبير من الملكيات الصغيرة التي يستقل بها أصحابها ويكفون بها حاجتهم ، إلى جانب العمل في التجارة البرية والبحرية ، وفي أنواع الحرف الصناعية التي كانت معروفة في ذلك الحين ، مما ينفي نفيًا باتًا صورة الإقطاع المظلمة الحالكة التي خيمت على أوربا في العصور الوسطى ، وظلت تنشر معها الظلام الفكري والجهالة الروحية ، حتى أنقذها منها الاتصال بالعالم الإسلامي في الحروب الصليبية مرة ، وفي الأندلس مرة أخرى ، فأفاقت من غشيتها في عصر النهضة ، وبدأت تخرج من الظلمات إلى النور .

وهكذا نجد أن الإقطاع لم يقم قط في العالم الإسلامي ، طالما كان الإسلام هو الذي يحكم المجتمع ، لأنه بروحانياته واقتصادياته ، وعقائده وتشريعاته ، لا يسمح بقيام الإقطاع ، ولا يسكت عن الوسائل التي تؤدي إليه . وحتى مظاهر الإقطاع التي كانت تحف بالأسر المالكة من بني أمية وبني العباس ، فقد كانت محدودة النطاق ولم تكن تبلغ أن تكون سمة عامة للمجتمع ، فضلًا على كونها مخالفة في جوهرها لحقيقة الإقطاع .

وإنما وجد الإقطاع حقًا في البلاد الإسلامية في العصر الحديث في أواخر الحكم العثماني ، حين جفت ينابيع العقيدة في النفوس ، وتوالى على الحكم أقوام لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه . من الباشوات العثمانيين ، من أمثال محمد علي ( الكبير ! ) وأبناءه في مصر ، والبيوت المالكة في شتى البلاد الإسلامية ، وزاد الأمر سوءًا حين طغت الروح الأوربية المادية الجاحدة على ربوع العالم الإسلامي بتأثير الاحتلال ، فأفسدت روح البر والتكافل في المجتمع ، وحولتها إلى استغلال بشع من الأغنياء ، وذل وعبودية للفقراء ، في التفاتيش الملكية وتفاتيش الأمراء وغيرهم من كبار الإقطاعيين ، وما يزال هذا الإقطاع يعيش بكل مقوماته - الأوربية - في كل مكان لم تشمله روح الإصلاح ، وهو ليس من الإسلام ، وليس الإسلام مسئولًا عنه ، لأنه لا يكون مسئولًا إلا حين يحكم . والذي يحكم اليوم هو الدساتير الأوروبية التي جاء بها قوم من تلاميذ الاستعمار يتشبثون بها كما يتشبث العبيد بذل الاسترقاق !

ومن هذا البحث نستطيع أن نستخلص جملة حقائق تنفعنا ونحن نستعرض صراع المبادئ والمذاهب الذي يشتد أواره اليوم في العالم الحديث .

من هذه الحقائق:

أولًا: انه ليست الملكية في ذاتها هي التي تنشئ الإقطاع بطريقة حتمية لا إرادة للإنسان فيها . و إنما هي طريقة التملك وطبيعة العلاقة بين الملاك وغير الملاك . ولذلك وجدت الملكية في العالم الإسلامي ولم يوجد الإقطاع ، لان النظام الإسلامي بنظرياته وتطبيقاته ينشئ بين الناس علاقات لا تسمح بقيام الإقطاع .

ثانيًا: أن أوربا حين وقعت في الإقطاع تقع فيه لأنه طور اقتصادي طبيعي لا بد أن تمر فيه البشرية أرادت أم لم ترد ، وإنما هي انحدرت إليه بسبب عدم وجود نظام ولا عقيدة تنظم مشاعر الناس وتنظم علاقاتهم . ولو وجد النظام والعقيدة - كما حدث في الإسلام - لما استعصت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على التنظيم ، ن ولما كان التطور الاقتصادي قوة جبرية على الأفكار والمشاعر تمنع توجيهها إلى حيث يراد لها من التحرر والارتفاع .

ثالثًا: أن الأطوار الاقتصادية التي ترسمها نظرية المادية الجدلية على أنها تاريخ عام للبشرية ، وهي: الشيوعية الأولى ، والرق ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والشيوعية الثانية ، لا تمثل في الواقع إلا تاريخ أوربا فقط ، ولا تتقيد بها إلا أوربا ، أما بقية العالم فليس حتمًا أن يسير في هذه الأطوار- وقد رأينا أن العالم الإسلامي لم يمر بالإقطاع في دورة التاريخي - وليس حتمًا كذلك أن يصل إلى الشيوعية في نهاية المطاف ! ( محمد قطب)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت