فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن هنا نجد أن الالتزامات التي تأخذ صورة السخرة لم توجد في النظام الإسلامي . وإنما قامت مكانها علاقة حرة مبنية على الاحترام المتبادل والمساواة الكاملة في الكرامة الإنسانية . أما"الالتزامات"التي كان يقوم بها الشريف في أوروبا من حماية فلاحيه ورعايتهم ، ويقتضي ثمنها هذه السخرة الظالمة والاستعباد المذل ، فقد كان الأغنياء في الإسلام يقومون بها تطوعًا بدون مقابل ، لأنهم يأخذون مقابلها التقرب إلى الله ووفاء حقه في العبادة ، وهذا فارق حاسم بين النظام الذي يقوم على عقيدة والنظام الذي يقوم خواء منها . ففي الأول تصبح الخدمات الاجتماعية عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ، وفي الثاني تصبح عملية تجارية يحاول كل طرف فيها أن يأخذ أكبر كسب ويدفع أقل ما يستطيع ، وتصبح الغلبة في النهاية للقوي لا لصاحب الحق .
ثم ننتقل إلى السمة الثالثة من سمات الإقطاع ، وهي تحديد السيد للقدر"الممنوح"من الأرض ، وتحديده كذلك للخدمات المطلوبة من الفلاح . وهما أمران يتمشيان مع السيادة والتبعية هناك ، ولم يكن لهما وجود في النظام الإسلامي الذي يقوم على أساس آخر ، غير سيادة المالك وتبعية الفلاح . فالقدر الذي يستأجره الفلاح تحدده مقدرته المالية ورغبته الحرة ؛ وهنا تكون الخدمة من الفلاح وإليه ، ولا شأن للمالك بها غير استيفاء قيمة الإيجار . أما في المزارعة فمقدار الأرض التي يزرعها الفلاح يتوقف على مقدرته البدنية ، وعدد الأيدي العاملة التي يملكها ( أولاده في الغالب ) ، والخدمة المطلوبة هي ما تحتاج إليه هذه الأرض التي تعتبر مشتركة بين الفلاح والمالك حتى تؤتي ثمارها ، أما بقية أرض المالك التي لم تدخل في المزارعة فلا شأن للفلاح بها ، وليس مكلفًا بأي خدمة فيها .
ولكن أهم ما يفرق بين الإقطاع والنظام الإسلامي في الواقع ، هو ممارسة الشريف لأمور الحكم والقضاء في نظام الإقطاع ، أي إشرافه على تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية بالنسبة لأهل منطقته ، وانتفاء ذلك من أساسه في الإسلام .
لم يكن لدويلات أوربا قانون عام بالمعنى المفهوم ، وحتى القانون الروماني الذي أصبح فيما بعد أساس التشريعات القانونية في أوربا كلها ، قد أباح للإقطاعيين أن يكونوا هم الحكام المطلقين في إقطاعياتهم ، يشرعون لها ، ويحكمون بين أهلها ، وينفذون الأحكام بمعرفتهم ، فاجتمعت لهم السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية في آن واحد ، وكان كل منهم دولة داخل دولة ، لا شأن للحكومة به في داخل إقطاعيته طالما أنه يؤدي"التزاماته"المالية والحربية عند الاقتضاء .
ولم يكن كذلك الحال في الإسلام . فقد كانت هناك دولة مركزية ذات قانون عام ، تشرف على تنفيذه في كل الأرض التابعة لها ، وتعين قضاة لكل منهم سلطته المستقلة المستمدة من تعيين الحاكم له ، ليقوم بتنفيذ الشريعة في حدود اختصاصه ، وليس لأحد عليه من سلطان إلا حين يخطئ أو يسيء . وحتى حين فسدت صورة الحكم فصار ملكًا وراثيًا لا بيعةً حرة ، فقد بقيت المقومات الأخرى لنظام الحكم الإسلامي قائمة راسخة ، فظلت الدولة تهيمن على كل كبيرة وصغيرة داخل أجزائها ، وظل القانون العام مرعيًا في كل مكان يتحاكم الناس إليه في مشارق الأرض ومغاربها بطريقة واحدة - في حدود اختلاف الفقهاء بطبيعة الحال ، وهو أمر يحدث في كل قانون على ظهر الأرض - لذلك لم يكن هوى الشريف ولا مشيئته الخاصة هي القانون الذي ينفذ على الفلاحين ، بل إرادة الله ، وشرعه الذي وضعه لجميع الناس يطبق عليهم بالسوية وبصورة واحدة ، لا بين الفلاح وصاحب الأرض فقط وكلاهما من الأحرار ، بل بين العبد والسيد ، حتى في الحالة الاستثنائية التي يكون فيها بشر ملكًا لبشر آخر .
ولا شك انه حدثت حالات قضى فيها قضاة بما يخالف ضميرهم ، وما يخالف الشرع ، إرضاء لصاحب الأرض أو صاحب السلطان . ولكن هذه الأمثلة لا يجوز أن تؤخذ على أنها القاعدة السارية . لأن الواقع التاريخي - الذي اعترف به الأوربيون أنفسهم - يخالف ذلك . كما أنه لا يجوز أن تؤخذ وحدها وتهمل تلك الأمثلة الرائعة في تاريخ البشرية كلها ، حين كان القاضي يحكم للرجل الفقير الذي لا حول له ولا قوة ، لا ضد صاحب الأرض ، ولا ضد الوالي ولا ضد واحد من الوزراء . بل ضد الخليفة نفسه صاحب الأمر كله والسلطان .. ثم لا يعزل القاضي ، ولا ينتقم السلطان !