فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 4557

أما التبعية الدائمة فمسألة لم يعرفها الإسلام قط في خارج دائرة الرق ، وقد شرحنا في الفصل السابق أصوله وأسبابه ووسائل التحرر منه . وليس في الإسلام رق للأرض . وإنما كان الأرقاء الذين جاءوا عن طريق الحرب وهم قلة على أي حال بالنسبة لمجموع السكان ، يعملون في أرض السادة إذا كانوا لم يعتقلوا تطوعًا ولم يطلبوا الحرية مكاتبة . ولكن هذا ليس المقصود بالتبعية الدائمة في الإقطاع الأوروبي . وإنما المقصود - إلى جانب وجود الأرقاء - تبعية الفلاحين والعمال الزراعيين جميعًا . وهم ليسوا أرقاء للسادة ، ولكنهم أرقاء للأرض ، لا يملكون تركها ولا التحرر من الالتزامات الملقاة على عاتقهم لأصحابها .

وهذا اللون من الرق أو التبعية هو الذي لم يوجد أبدًا في الإسلام .

ذلك أن الإسلام - من حيث المبدأ - لا يعترف بعبودية ولا تبعية إلا لله خالق الحياة . أما التبعية لمخلوقات الله فليست أصلًا من أصوله . وإذا كانت قد وجدت في الرق - لظروف خاصة وعارضة - فهي حالة موقوتة يعمل الإسلام على إزالتها بكل الوسائل ، ويشجع الأرقاء أنفسهم على التخلص منها ، ويمنحهم معاونة الدولة ورعايتها .

ثم إن الإسلام - من الوجهة الاقتصادية - لا يقيم بنيانه الاقتصادي على تبعية إنسان لإنسان ، فيما عدا حالة الرق التي أشرنا إليها ، والتي لم يكن لها مخلص اقتصادي في ذلك الحين ، حتى تتحرر نفوس الأرقاء من الداخل ويحتملوا تبعة أنفسهم فيعملوا أحرارا ً، وعند ذلك يمنحهم الإسلام حريتهم . وإنما يقيم الإسلام بنيانه على أساس حرية العمل ، مع التعاون التام وتبادل الخدمات بين الجميع . والدولة دائمًا موجودة تعول من تقصر به موارده عن الحياة الكريمة ، أو يعجز عن العمل لأي سبب من الأسباب .

وما دامت كفالة الدولة موجودة ومتاحة للجميع ، فليس هناك ما يدفع أحدًا إلى استرقاق نفسه لأصحاب الأرض ، وهو يملك الحرية والكرامة ومطالب الحياة الأساسية عن غير هذا الطريق .

فمن الوجهة الروحية والوجهة الاقتصادية معًا منع الإسلام الإقطاع بصورته المعروفة ، وأدرك الناس قبل أن يصبحوا رقيقًا للأرض فحررهم من وبال الإقطاع .

وأما الالتزامات التي يلتزم بها الفلاح لصاحب الأرض فلم يعرفها كذلك تاريخ الإسلام . لم يحدث قط - والإسلام إسلام - أن كان الفلاح ملزمًا بشيء تجاه صاحب الأرض ، وذلك لانتفاء التبعية ، وقيام علاقة حرة بين هذا وذاك .

كانت العلاقة الوحيدة التي عرفها الإسلام بين الفلاح وصاحب الأرض هي الإيجار أو المزارعة . وبمقتضاها يستأجر الفلاح جانبًا من الأرض قل أو كثر بحسب ما تستطيع موارده ، ويكون حرًا حرية كاملة في زراعته على نفقته وجني محصوله كله لنفسه ، أو يشارك صاحب الأرض ، فيدفع الأخير كل النفقات ويقدم الأول جهده ، ثم يقتسمان الناتج آخر العام .

وفي كلتا الحالتين لا توجد التزامات إجبارية نحو"السيد"ولا سخرة ، ولا أية خدمة بلا ثمن . وإنما هو التزام متبادل بين طرفين متكافئين في الحرية وفي الحقوق والواجبات . فالفلاح حر أولاَ في اختيار الأرض التي يستأجرها ، أو المالك الذي يزارعه . وحر ثانيًا في التفاوض مع صاحب الأرض على قيمة الإيجار ، فإذا لم يجدها صفقة كاسبة فله ألا يعمل في الأرض ، وليس للمالك أن يلزمه بشيء . فإذا ارتضى نظام المزارعة فالتزاماته فيه مكافئة لالتزامات المالك ومتوقفة عليها وربحه كذلك مناصفة مع صاحب الأرض .

ثم إننا نجد - على العكس مما حدث في الإقطاع - أن المالك الغني هو الذي يبر فلاحيه بالهدايا والعطايا المختلفة في الأعياد والمناسبات ، وخاصة في شهر رمضان ، وهو شهر ذو منزلة خاصة عند المسلمين ، يكثر فيه التزاور عند المسلمين بين الأحباب والأصدقاء ، وتكثر المآدب التي تجمع الشمل وتبر المحتاجين . وهذا هو الأمر المنطقي الذي يتلاءم مع طبائع الأشياء فالغني هو الذي ينفق وهو الذي يتحمل العطايا والهدايا وليس الفقير هو المكلف بإهداء الغني ، كما اقتضت"إنسانية"أوروبا !

أما الطواحين فقد جرى العرف في البلاد الإسلامية أن يقوم بها الفقراء ، يكتسبون عن طريقها ، ولم تكن في أيدي الملاك يفرضون استخدامها على الفلاحين !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت