فهرس الكتاب

الصفحة 1851 من 4557

2-قصة أهل الكهف يثبتها أهل الكتاب أيضا، بل إنما نزلت هذه الآيات بناء على استفسارهم عنها -كما تقدم- (814) ، والعادة أنهم لا يطعنون في كتبهم المقدسة -على خلاف بعض بني جلدتنا-، فالطعن في قصة تتابعت الكتب السماوية على إثباتها جرأة خطيرة .

3-هذه دعوى من غير دليل ، وكل دعوى بلا دليل باطلة ، لاسيما إذا كان القرآن يقرر خلاف هذه الدعوى.

الطعن في قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس والهدهد:

قال الإمام الرازي:( أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجود:

أحدها: أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء ، وذلك يجر إلي السفسطة ، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس وبالنحو من سيبويه ، وكذلك القول في القملة والصئبان ، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات .

ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب .

وثانيها: أن سليمان عليه السلام كان بالشام ، فكيف طار الهدد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ، ثم رجع إليه .

وثالثها: كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك المملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان ، وأنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية ، وكان تحت راية بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام ؟.

ورابعها: من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالي ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافة إلي الشيطان وتزينه ؟) (815) .

-الجواب:

قال الرازي في الجواب على ذلك:

(والجواب على الأول: أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل ، وإنما يدفع ذلك بالإجماع .

وعن البواقي: أن الإيمان بافتقار العالم إلي المختار يزيل هذه الشكوك) (816) .

(هذا ما رد به الرازي على هذه الطعون ، وهو رد مجمل قاصر يكاد يسلم - بعد هذه الطعون الفصلة - بالعجز على الرد المفصل القوي ، مما يذكرنا بما قيل عن الرازي أنه - مع علمه وفضله - كان يذكر الطعون مفصلة ولا يورد معها - أحيانا - ما يكافئها من الجواب ، مما فتح مجالا أمام متبعي الشبهات للاستدلال على طعونهم بما أورده الرازي ولم يفلح - مع كبير علمه - في الرد المقنع عليه .

والحقيقة أن هذه الطعون - التي عرض لها خلف الله في سياق نظريته السابقة - لا تقوم في مجموعها أو تفصيلاتها كمستند للطعن في شيء من القرآن الكريم ، وسيكون ردنا عليها نقضًا لكل من يستدل بها وذلك على النحو التالي:

(أ) فيما يتصل بكلام الهدهد والنملة - فقد أصبح من المقطوع به الآن عند العلماء الذين يدرسون سلوك أنواع الطير والحيوان والحشرات ، أن لكل منها لغة تقوم مقام اللغة المعهودة عند البشر ، في التعبير ونقل الأحاسيس والمعارف ، على نحو ما ماتزال تفاصيله مجهولة من البشر ، لكن المقطوع به من شواهد كثيرة جدًا أن لكل منها نوعًا من اللغة يتم به الأتصال بين أفراده ، وقد سجل بعض العلماء تسجيلات صوتية لأنواع من الطيور في حالة الفزع نقلت إليهم - في غاية من الوضوح - هذه المشاعر والمعاني (817) .

فلم يعد يشك الآن في أن كل نوع من الأحياء له لغة خاصة بأفراده ، وهذا أمر واضح لكل من يراقب سلوك الطيور والحشرات ،بل إن بعض العلماء يذهبون إلى أن أنواع النبات هي الأخرى تملك لغة واتصالًا فيما بينها ، على نحو ما - مما لا يتسع المجال لتقرير القول فيه ، ولا يتطلبه.

فما العجب بعد هذا من أن تتكلم النملة ، ويتكلم الهدهد ، بكلام يفهمه سليمان عليه السلام لأنه - كما ورد في القرآن الكريم - علم منطق الطير وأوتي من كل شيء (النمل 16) (818) ؟ أما أنهم تكلموا بكلام يدل على شيء من العقل فإن من يراقب سلوك الطير والحشرات فسوف يدرك بغاية من الوضوح أن سلوكهم يجرى على نظم من الوعى والتدبير والعمل من أجل غايات تهديهم إليها غرائزهم وفطرهم ، وعلى المعاند في هذا أن يقراء شيء عن سلوك الحشرات والطيور في كتب العلم التجريبي ، وسوف يذهله ما يقرأ ، وعليه أن يراقب العمل والنطام في (مملكة النحل) أو في (عالم النمل وقراه التي ينشئها ) .. وليس ذلك كله إلا مصدقًا لقوله تعالي ( ربنا الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدى ( [طه: 50] وقوله: ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ( [ الأنعام: 38 ] ، وهو الذي تدل عليه بحق كافة مشاهدات العلماء المحققين . والمتشكك في ذلك إنما هو المستحق لسخرية الساخرين ! فما العجب إذن في أن تتكلم نملة ويتكلم هدهد ؟ وما العجب في أن يفهم عنهما من عرف لغة كل منهما ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت