فهرس الكتاب

الصفحة 1049 من 4557

"و ليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم، و إلا لما سجدوا، لأننا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم و خوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى:"و أنه أهلك عادًا الأولى (50) و ثمود فما أبقى (51) و قوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم و أطغى (52) و المؤتفكة أهوى (53) فغشّاها ما غشّا (54) "إلى آخر الآيات [النجم] . فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، و لعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه صلى الله عليه و سلم، وهو قائم بين يديْ ربه سبحانه في مقام خطير و جمع كثير، و قد ظنّوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم و لو لم يكن عن إيمان، كافٍ في دفع ما توهَّموه، و لا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه صلى الله عليه و سلم، فقد نزلت سورة (حم السجده) بعد ذلك كما جاء مصرّحا به في حديث عن ابن عباس. ذكره السيوطي في أول"الإتقان"فلما سمع عُتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها:"فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ و ثمود (13) " [فصّلت] ! أمسك على فم رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ناشده الرحم و اعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ و قال:"كيف و قد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب"و قد أخرج ذلك البيهقي في"الدلائل"و ابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه."

و يمكن أن يقال على بعد: إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم، و لايلزم منه ثبوت ذلك الخبر، لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى:"أفرأيتم اللات و العزّى (19) و مناة الثالثة الأخرى (20) " [النجم] ، بناء على أن المفعول محذوف و قدّروه حسبما يشتهون، أو على أن المفعول: (ألكم الذكر و له الأنثى(21) " [النجم] . وتوهّموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثًا، و الحب لشيء يعمي و يُصمّ، و ليس هذا بأبعد من حملهم"تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى"على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة، مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه من الغين".

"و سبحانك اللهم و بحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك".

محمد ناصر الدين الألباني

الشيخ عماد الشربيني

تشبث بعض المستشرقين وأبواقهم المقلدون لهم بما ذكره بعض كتاب السيرة النبوية، وجماعة من المفسرين، وطوائف من المحدثين في كتبهم، بأقصوصة"الغرانيق"وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سببًا لعودة المهاجرين الأولين إلى مكة

وهى أقصوصة مختلقة، باطلة في أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة في جذورها وأغصانها، واتخذ أعداء الإسلام منها سلاحًا للطعن في عصمة رسول الله صلي الله عليه وسلم، من تسلط الشيطان عليه، وعصمته في بلاغه لوحى الله تعالى

ورغم أن علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بينوا بأوضح ما يكون البيان زيفها وبطلانها؛ إلا أنك تجد من ينتصر لهذه الفرية، ويطبل لها ويزمر من المستشرقين والمبشرين ( [1] ) وكذا أبواقهم المقلدون لهم الذين زادوا على أعداء الإسلام الطعن في رواة السنة الشريفة والكذب عليهم بأنهم يصححون هذه الأكذوبة

يقول نيازى عز الدين ( [2] ) :"بعد نزول الآية: أفرأيتم اللات والعزى ( [3] ) ألقى الشيطان نتيجة لتمنى الرسول صلي الله عليه وسلم، ألا ينزل الله تعالى ما يغضب قومه من قريش، لأنه كان يطمع بإسلام بعض وجهائهم، فألقى الشيطان في أمنية الرسول وفى ذهنه بعض الكلمات، فاعتقد أنها من الوحى، فطلب من كتبه الوحى تسجيله وكتابته في نص القرآن الكريم ( [4] ) وكانت كما يلى:"أفرأيتم اللات والعزى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"فسر القرشيون من المشركين بذلك، وسجدوا مع الرسول في الصلاة، ولكن بعد فترة نزل جبريل، وعاتب الرسول، وصحح الآية، ناسخًا ما ألقى الشيطان" ( [5] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت