فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
و"الذى"موضوع موضع الذين ، أى كمثل الذين استوقدوا ، وذلك موجود في كلام العرب ، كقول الشاعر:
وإن الذى حانت بفلج دماؤهم
همُ القوم ، كل القوم ، يا أم خالد
ومنه"وخضتم كالذى خاضوا"و"والذى جاء بالصدق وصدَّق به ، أولئك هم المتقون" (5) .
والخلاصة:
بعد هذا العرض لأئمة النحاة والمفسرين يتضح جليًا أن الاستعمال القرآنى فى"مثلهم كمثل الذى استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم"استعمال عربى فصيح في غاية الفصاحة ، وله شواهد في كلام العرب المحتج بكلامهم ، وإن كان القرآن غنيًا عن الاستشهاد من خارجه على عروبته وسلامته من كل خطأ ؛ لأنه من أصح مصادر اللغة العربية ، ومع هذا فإن ما قاله الأئمة الأعلام يحيل شبهة هؤلاء المتطاولين على كتاب الله العزيز هباءً منثورًا ، هذا هو دور النحو في إبطال هذه
الشبهة ، وللبلاغة دور مهم في الرد عليهم نلخصه في الآتى:
إن المثل في الآية مسوق أساسًا لتمثيل شأن المنافقين ، أما قوله تعالى:"كمثل الذى استوقد نارًا"، فأمر عارض اقتضاه مقام الحديث عن تمثيل حال المنافقين فهو أشبه ما يكون بالجملة الاعتراضية ، لولا أنها مشبه به ، ولما أدت الدور المراد منها تحول الحديث إلى الأصل المسوق من أجله الكلام ، وبدأ هذا التحول من قوله تعالى:"ذهب الله بنورهم"فَجَمْعُ الضمير فى"بنورهم"منظور فيه إلى نظيره فى"مثلهم"فكان ضمير الجمع فى"بنورهم"مطابقًا أصالة لمقام الحديث أما"الذى استوقد نارًا"فصار مسكوتًا عنه بعد آداء دوره المراد منه.
وعلى هذا فإن التوجيه البلاغى لجمع الضمير فى"بنورهم"يغنى عن التوجيهات التى أبداها النحاة والمفسرون إذ لا معول في التوجيه البلاغى على اعتبار"الذى"بمعنى الذين ، أو هو"الذين"حذف منه النون.
ومحال أن يستقيم ما قاله مثيرو هذه
الشبهة أن الصواب هو إفراد الضمير فى"نورهم"لأنه لو قيل: ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر ، لتحول الكلام إلى غير المنافقين المضروب لهم المثل ، ولزالت كل الروابط بين صدر الآية وعجزها. وهذا لا يقول به عاقل.
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة قل اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) (1) .
أخذوا من هذه الآية كلمة"معدودة"وتوهموا أن القرآن أخطأ فيها ؛ لأنها ـ عندهم ـ جمع كثرة ، والمقام الذى استعملت فيه يتطلب جمع القلة ، ثم علقوا قائلين:
"وكان يجب أن يجمعها جمع قلة ، حيث إنهم أرادوا القلة ، فيقول: أيامًا معدودات".
هكذا عبروا عن جهلهم ، وهم يحسبون ـ أو لا يحسبون ـ أنهم العلماء الأفذاذ الذين يعلمون ما لم يعلمه أحد ـ حتى الله ـ من شئون اللغة والبيان ، وهم ـ بحق ـ لا يكادون يفقهون حديثًا.
الرد على الشبهة:
هذه الآية نزلت تحكى قولًا قاله اليهود ، يكشف عن الغرور الذى ملأ أنفسهم ، فقد زعموا أنهم إذا دخلوا النار ، فإنها لا تمسهم إلا مسًا خفيفًا ، وأنهم لن يُخلدوا فيها ، بل يقضون عدة أيام.
وهذا تطاول منهم ، لأن شئون الآخرة لا يعلمها إلا الله.
لذلك كذَّبهم الله ، وألزمهم الحُجة البالغة له عليهم وحصر مصدر هذا الذى ادعوه في أمرين:
الأول: أن يكون عندهم من الله عهد بما قالوا ، والله لا يخلف عهده ، وهم في الواقع لا عهد عندهم من الله يحدد فيه مدة مكثهم في النار ، ودرجة العذاب الذى سيصيبهم فيها.
الثانى: أو هُمْ يفترون على الله عز وجل ، وماداموا ليس عندهم عهد من الله ، فهم ـ إذًا ـ كاذبون والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.
أما مسألة الكثرة والقلة ، التى بنى عليها هؤلاء الكارهون لما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ، فلا اعتبار لها هنا ، وهم وإن حفظوا شيئًا فقد غابت عنهم أشياء. ولذلك أوقعهم جهلهم فيما حاولوا أن يفروا منه ؛ لأنهم قالوا إن معدودة ، جمع كثرة ، واستعمال جمع الكثرة ـ هنا ـ خطأ ؟ ؛ لأن اليهود أرادوا جمع القلة ـ أى أنهم يمكثون في النار أيامًا قليلة. فجاء تعبير القرآن غير وافٍ بالمعنى الذى كانوا يقصدونه ، وكان الواجب على القرآن أن يقول: أيامًا معدودات ، بدلًا من (أيامًا معدودة (هذا هو قولهم ، وهو محض الخطأ لو كانوا يعلمون وذلك للاعتبارات الآتية:
فأولًا: لأن"معدودة"ليست جمعًا بل مفردًا ، ليست جمع كثرة ولا جمع قلة. وهؤلاء"العباقرة"جعلوها جمع كثرة ، بسبب جهلهم باللغة العربية ، لغة الإعجاز.
وثانيًا: أن"معدودات"التى يقولون إنها الصواب وكان حق القرآن أن يعبر بها بدلًا من"معدودة"ظانين أن"معدودات"جمع قلة. وهى ليست جمع قلة كما توهموا ، فهى على وزن"مفعولات"وهذا الوزن ليس من