فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال الحلبى تلميذ أبى حيان ، وهما من الأئمة الأعلام في النحو:
"وهذا يجئ على مذهب ابن كيسان ، فإنه لا يقصر ذلك على ضرورة الشعر ، بل يجيزه في السعة" (3) .
وقال الفراء:"قريبة وبعيدة إما أن يراد بهما قرابة النسب أو عدمها فيؤنثها العرب ليس إلا ، كقولهم: فلانة قريبة منى أى في النسب وبعيدة منى أى في النسب. أما إذا أريد بها القرب المكانى أو الزمانى فإنه يجوز الوجهان ؛ لأن قريبًا وبعيدًا قائم مقام المكان أو الزمان ، فتقول:"
فلانة قريبة وقريب ، وبعيدة وبعيد ، والتقدير هى في مكان قريب وبعيد. قال الشاعر:
عشية لا عفراء منك قريبة
فتدنو ولا عفراء منك بعيد" (4) "
يعنى أن الشاعر جمع بين الوجهين التأنيث والتذكير والموصوف مؤنث ؛ لأن"قريب"و"بعيد"أريد بهما القرب في المكان والبعد فيه.
والآية الكريمة ليس القرب المذكور فيها مرادًا به قرب النسب فيلزم تأنيثه ، وإنما المراد قرب الزمان ، والعرب تجيز فيه الوجهين: التأنيث والتذكير.
ولأمرئ القيس ، وهو من شعراء الجاهلية ، وشعرهم حُجة في إثبات اللغة ، بيت نحا فيه هذا المنحى ؛ فقال:
له الويل إن أمسى ولا أم سالم
قريب ، ولا البسباسة ابنته يُشكرا (5)
والشاهد في البيت تذكير"قريب"مع جريانه على مؤنث"أم سالم"وهو نظير"قريب"فى الآية الكريمة.
والخلاصة:
رأينا في الرد على هذه
الشبهة أن القرآن الكريم لم يخرج عن سنن البيان العربى حين ذكَّر"قريب"فى الآية ، وهى مجراة على مؤنث مجازى غير حقيقى"رحمة الله".
وكان أصح وأثبت ما ذكرناه في الرد على خصوم القرآن ، هو ما قاله الفراء رحمه الله ، من أن العرب كانوا يفرقون بين القرب والبعد من النسب وبين القرب والبعد في المكان والزمان:
فالأول: يلتزم فيه تأنيث ما جرى خبرًا أو صفة لمؤنث.
أما الثانى: وهو القرب والبعد في المكان والزمان فإنهم يجيزون فيه الوجهين: التأنيث والتذكير ، وقد ذكر رحمه الله بعض الشواهد الشعرية لشعراء هم حُجة في إثبات اللغة ، وطرائق استعمالاتها. وبهذا تظهر براءة القرآن الناصعة مما حاول خصومه إلصاقه به من خطأ.
منشأ هذه
الشبهة:
هو قوله تعالى: (وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطًا أممًا وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرِب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كل أناس مشربهم.. ) (1) .
وشاهدهم على اللغط بهذه
الشبهة هو قوله عز وجل"اثنتى عشرة أسباطًا أممًا"والصواب الذى توهموه عبروا عنه بقولهم:
"كان يجب أن يُذَكَّر العدد ، ويأتى بمفرد المعدود فيقول: اثنى عشر سبطا".
الرد على
الشبهة:
وجَّه النحاة تأنيث العدد في الآية بأن السبط في بنى إسرائيل كالقبيلة عند العرب. يعنى أنه أراد بالأسباط القبائل ، ولذلك أنث جزئى العدد المركب ، وهما: اثنتى ، وعشرة (2) .
هذا وجه ، ووجه آخر هو تأويل السبط بالجماعة أو الفرقة أو الطائفة.
أما جمع أسباط ، وكان حقه أن يفرد فقد روعى فيه المعنى دون اللفظ ، ومراعاة المعنى دون اللفظ ، أو اللفظ دون المعنى كثير الورود في النظم القرآنى ، ويبدو أن هؤلاء الطاعنين في سلامة القرآن من كل خطأ يجهلون هذه الأساليب في القرآن خاصة ، وفى اللغة العربية عامة ، ويتشبثون بظواهر العبارات حبًا في ترويج ما يريدون ترويجه من الشبهات الواهية وكان العرب النازل بلغتهم القرآن يذكِّرون عدد المؤنث مراعاة للفظ فيقولون: ثلاثة أنفس ، أى رجال ويقولون عشر أبطن.
ففى الأول"ثلاثة أنفس"ذكَّروا العدد نظرًا للمعنى ؛ لأن المعدود مذكر"رجال"وفى الثانى أنثوا العدد"عشر أبطن"لأن المعدود هو القبيلة أى عشر قبائل. وهذا باب واسع لا تحصر شواهده (3) . أما جمع المعدود الذى في الآية"أسباطًا أممًا فله نظائر في الاستعمال المأثور الوارد عن العرب ومنه قول الشاعر:"
فيها اثنتان وأربعون حلوبة
سُودًا كخافية الغراب الأسحم
فقد وصف الشاعر"حلوبة"وهى مفرد ، بقوله"سُودًا"وهو جمع سوداء.
ولهذه.. الشواهد نظائر من المأثور عن العرب الخلَّص.
والخلاصة:
فقد طاحت هذه
الشبهة ، وانمحت آثارها ، كما طاحت نظائرها من قبل. ومن الدلائل القوية على صحة تأنيث العدد ، فوق ما تقدم ، أن بعض النحاة أضاف إلى بدلية"أمما"من"أسباطا"أن"أمما"وقعت نعتًا ل"أسباطا"و"أممًا"مؤنثة لفظًا. وسواء كانت"أممًا"بدلًا من"أسباطًا"أو كانت نعتًا له. فإن الذى لا نزاع فيه أن المؤنث لا يبدل من المذكر ، ولا يقع نعتًا له. وهذا دليل قاطع على أن المراد من"أسباطًا"وإن كان مذكَّرًا في اللفظ ، معنى مؤنث لا محالة. ولذلك أنث النظم القرآنى جزئى العدد المركب"اثنتى عشرة".
أما جمع المعدود"أسباطًا أممًا"وإن وجهه النحاة توجيهًا صائبًا ، فقد بقى في مجيئه جمعًا ملمح بلاغى دقيق ذلك الملمح نوضحه في الآتى: