فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم قال تعالى: { فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ } والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا التوراة، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم. ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة.
وأما القول الثاني: وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فهذا قال به قوم عظيم من المفسرين. قال ابن عباس: وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيبًا في البلاد، ثم إنهم بقوا على دينهم، ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم، والمراد من العلم القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه علمًا، لأنه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور.
وفي كون القرآن سببًا لحدوث الاختلاف وجهان: الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ويفتخرون به على سائر الناس، فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسدًا وبغيًا وإيثارًا لبقاء الرياسة وآمن به طائفة منهم، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سببًا لحدوث الاختلاف فيهم. الثاني: أن يقال: إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفارًا محضًا بالكلية وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم العلم، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم.
وأما قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فالمراد منه أن هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في دار الدنيا، وأنه تعالى في الآخرة يقضي بينهم، فيتميز المحق من المبطل والصديق من الزنديق
ولو شاء ربُّك لآمَنَ مَن في الأرض كلِّهم، أفأنت تُكرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين (آية 99) .
قاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكون الدِّينُ كلّه لله (الأنفال 8: 39) .
نقول: كيف تتفق آيات الإكراه وعدم الإكراه؟
في بداية دعوة محمد في مكة رأى أنه ليس من صالحه إعلان الحرب على خصومه. ولكن حينما استتبَّ له الأمر في المدينة أعلن هذه الحرب، حتى قال في الحديث أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (متفق عليه مشكاة المصابيح حديث رقم 12) . وغاية ما اعتذر به المسلمون عن هذا قولهم إن بعض هذه الآيات ناسخ للآخر.
الرد
قاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكون الدِّينُ كلّه لله (الأنفال 8: 39) .
ما جاء بسورة الأنفال القتال بسبب الفتنة وعليه:
اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا فقال: { وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } قال عروة بن الزبير: كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، فأصاب المؤمنين جهد شديد، فهذا هو المراد من الفتنة، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة. وفيه وجه آخر، وهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم، فالكافر أبدًا يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة، وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة، وخلص الإسلام وزالت تلك الفتن بالكلية. قال القاضي: إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم، فقال: { حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان، وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية. إذا عرفت هذا فنقول: إما أن يكون المراد من الآية { وَقَتِلُوهُمْ } لأجل أن يحصل هذا المعنى أو يكون المراد { وَقَتِلُوهُمْ } لغرض أن يحصل هذا المعنى فإن كان المراد من الآية هو الأول وجب أن يحصل هذا المعنى من القتال فوجب أن يكون المراد { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } في أرض مكة وما حواليها، لأن المقصود حصل هنا، قال عليه السلام:"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"ولا يمكن حمله على جميع البلاد، إذ لوكان ذلك مرادًا لما بقي الكفر فيها مع حصول القتال الذي أمر الله به، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني، وهو قوله: قاتلوهم لغرض أن يكون الدين كله لله، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضًا للإنسان، فإنه يحصل، فكان المراد الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل.