فهرس الكتاب

الصفحة 2428 من 4557

ثانيًا: ليميز المؤمنين من الكفار والمنافقين, فيزداد المؤمنون إيمانًا على إيمانهم؛ وهو ما جاء في الآية الثانية: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) (6) .

هذا: وقد أبطل العلماء قديمًا وحديثًا قصة الغرانيق. ومن القدماء الإمام الفخر الرازي الذي قال ما ملخصه (7) :"قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق, وقد استدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول؛ أما القرآن فمن وجوه: منها قوله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (8) , وقوله سبحانه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى) (9) , وقوله سبحانه حكاية عن رسوله صلى الله عليه وسلم: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) (10) ."

وأما بطلانها بالسنة فيقول الإمام البيهقى: روى الإمام البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة"النجم"فسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيها حديث"الغرانيق", وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة ليس فيها البتة حديث الغرانيق.

فأما بطلان قصة"الغرانيق"بالمعقول فمن وجوه منها:

أ ـ أن من جوّز تعظيم الرسول للأصنام فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وسلم كان لنفي الأصنام وتحريم عبادتها؛ فكيف يجوز عقلًا أن يثني عليها؟!

ب ـ ومنها: أننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا فرق - في منطق العقل - بين النقصان في نقل وحى الله وبين الزيادة فيه.

(1) النجم: 19 -20.

(2) المراد بالغرانيق: الأصنام؛ وكان المشركون يسمونها بذلك تشبيهًا لها بالطيور البيض التي ترتفع في السماء.

(3) الحج: 52.

(4) عن: التفسير الوسيط للقرآن لشيخ الأزهر د. طنطاوى ج9 ص 325 وما بعدها.

(5) الحج: 53.

(6) الحج: 54.

(7) التفسير السابق: ص 321.

(8) الحاقة: 44 ـ 47.

(9) النجم: 3- 4.

(10) يونس: 15.

تحت عنوان: ( وحي من الشيطان ) كتب أعداء الإسلام ما يلي:

جاء في سورة الحج: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . ) )

قال المفسرون: إن محمدا لما كان في مجلس قريش أنزل الله عليه سورة النجم فقرأها حتى بلغ أفرأيتم اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى فألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدّث به نفسه ويتمناه - وهو تلك الغرانيق العُلى وإن شفاعتهن لتُرتَجى . فلما سمعت قريش فرحوا به ومضى محمد في قراءته فقرأ السورة كلها، وسجد في آخرها وسجد المسلمون بسجوده، كما سجد جميع المشركين. وقالوا: لقد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر. وقد عرفنا أن الله يحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده .

ونحن نسأل: كيف يتنكر محمد لوحدانية الله ويمدح آلهة قريش ليتقرب إليهم ويفوز بالرياسة عليهم بالأقوال الشيطانية؟ وما الفرق بين النبي الكاذب والنبي الصادق إذا كان الشيطان ينطق على لسان كليهما ؟

الجواب:

هذا الكلام مبني على رواية باطلة مكذوبة ، قال عنها ابن كثير وغيره:"لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح".

وقد سئل ابن خزيمة عن هذه القصة فقال: من وضع الزنادقة .

وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، ورواية البخاري عارية عن ذكر الغرانيق .

وقال الإمام ابن حزم: (( والحديث الذي فيه: وانهن الغرانيق العلا ، وان شفاعتهن لترجى . فكذب بحت لم يصلح من طريق النقل ولامعنى للأشتغال به ، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد ) ) [ الاسلام بين الانصاف والجحود ] ص 69

واستنادًا إلى القرآن والسنة واللغة والمعقول والتاريخ نفسه فإن هذه الرواية باطلة مكذوبة:

1-لأن أسانيدها واهية وضعيفة فلا تصح .

2-لأن النبى صلى الله عليه وسلم معصوم في تبليغه للرسالة محتجين بقوله سبحانه وتعالى:

(( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) ) [ الحاقة: 44 ]

3-لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحترم الأصنام في الجاهلية إذ لم يعرف عنه أنه تقرب لصنم بل قال: (( بغض إلي الأوثان والشعر ) ).

ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب ( نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق ) للعلامة الألباني رحمه الله في باب كتب وأبحاث ... والله الموفق

د. سلمان بن فهد العودة

السؤال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت