فهرس الكتاب

الصفحة 2427 من 4557

وهذه الآية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة المعروفة عن النساء عامة؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم قد دخل عند إحداهن وأكل عندها طعامًا لا يوجد في بيوتهن، فأسر إلى إحداهن بالأمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحرّم صلى الله عليه وسلم تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن. والواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحرّم ما أحل الله هو تصيّد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له..

فمطلع الآية (لم تحرم ما أحل الله لك) (هو فقط من باب"المشاكلة"لما قاله النبي لنسائه ترضية لهن؛ والنداء القرآني ليس اتهامًا له صلى الله عليه وسلم بتحريم ما أحل الله؛ ولكنه من باب العتاب له من ربه سبحانه الذي يعلم تبارك وتعالى أنه صلى الله عليه وسلم يستحيل عليه أن يحرّم شيئًا أو أمرًا أو عملًا أحلّه الله؛ ولكنه يشدد على نفسه لصالح مرضاة زوجاته من خلقه العالي الكريم.

ولقد شهد الله للرسول بتمام تبليغ الرسالة فقال: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (2) .

وعليه فالقول بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يحرّم ما أحل الله من المستحيلات على مقام نبوته التي زكّاها الله تبارك وتعالى وقد دفع عنه مثل ذلك بقوله: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى) (3) .

فمقولة بعضهم أنه يحرّم هو تحميل اللفظ على غير ما جاء فيه، وما هو إلا وعد أو عهد منه صلى الله عليه وسلم لبعض نسائه, فهو بمثابة يمين له كفارته ولا صلة له بتحريم ما أحل الله.

(1) التحريم: 1.

(2) الحاقة: 44- 47.

(3) النجم: 3- 4.

(17) الشيطان يوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم

أ.د محمود حمدي زقزوق

الرد على الشبهة:

الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم يستندون في هذه المقولة إلى أكذوبة كانت قد تناقلتها بعض كتب التفسير من أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة بالناس سورة"النجم", فلما وصل صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى) (1) ؛ تقول الأكذوبة:

إنه صلى الله عليه وسلم قال: ـ حسب زعمهم ـ تلك الغرانيق (2) العلى وإن شفاعتهن لترتجى.

ثم استمر صلى الله عليه وسلم في القراءة ثم سجد وسجد كل من كانوا خلفه من المسلمين, وأضافت الروايات أنه سجد معهم من كان وراءهم من المشركين!!

وذاعت الأكذوبة التي عرفت بقصة"الغرانيق"وقال - من تكون إذاعتها في صالحهم-: إن محمدًا أثنى على آلهتنا وتراجع عما كان يوجهه إليها من السباب. وإن مشركي مكة سيصالحونه وسيدفعون عن المؤمنين به ما كانوا يوقعونه بهم من العذاب.

وانتشرت هذه المقولة حتى ذكرها عدد من المفسرين؛ حيث ذكروا أن المشركين سجدوا كما سجد محمد صلى الله عليه وسلم, وقالوا له: ما ذكرت آلهتنا بخير قبل اليوم. ولكن هذا الكلام باطل لا أصل له.

وننقل هنا عن الإمام ابن كثير في تفسيره الآيات التي اعتبرها المرتكز الذي استند إليه الظالمون للإسلام ورسوله وهي في سورة الحج حيث تقول: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (3) , وبعد ذكره للآيتين السابقتين يقول:"ذكر كثير من المفسرين هنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير ممن هاجروا إلى الحبشة, ظنًّا منهم أن مشركي مكة قد أسلموا".

ثم أضاف ابن كثير يقول: "ولكنها - أي قصة"الغرانيق"- من طرق كثيرة مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، ثم قال ابن كثير (4) : عن ابن أبى حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير قال: "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة"سورة النجم", فلما بلغ هذا الموضع: (أفرأيتم اللات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى) . قال ابن جبير: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم.. فأنزل الله هذه الآية: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عزيز حكيم) ليقرر العصمة والصون لكلامه سبحانه من وسوسة الشيطان"."

وربما قيل هنا: إذا كان الله تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم آياته فلماذا لم يمنع الشيطان أصلًا من إلقاء ما يلقيه من الوساوس في أمنيات الأنبياء؟! والجواب عنه قد جاء في الآيتين اللتين بعد هذه الآية مباشرة:

أولًا: ليجعل ما يلقيه الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض من المنافقين والقاسية قلوبهم من الكفار, وهو ما جاء في الآية الأولى منهما: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت