إذ يكفي أن تنقطع حلقة في هذه السلسة لتصبح الواقعة في حكم المجهول من الأجيال التالية،و على العكس من ذلك , فإن بعض الأوهام الكاذبة في ذاتها , قد يتوفر لها من ظروف إيمان بعض الناس بصحتها - بناء على بعض الشواهد و الظواهر الخادعة - و تسجيلهم لها ، ثم رعايتها بظروف تضمن إذاعتها و انتقالها عبر الأجيال - ما يجعلها تدخل التاريخ من أوسع أبوابه ، و هي في أصلها أسطورة كاذبة لا نصيب لها من الحق .و قد تلعب يد التحريف و التجهيل و التعمية ببعض جوانب واقعة صحيحة في أصلها , فإذا بها قد جمعت في نهاية الأمر بين الحق و الباطل في قصة واحدة ,هذا معروف مسجل عن أوهام التواريخ و أخطائها ، فهي تهمل ، و تنسى ، و تحرف ، وتخدع ، و تتوهم ، وكل هذا يتضمنه ما يسمى بـ"التاريخ البشري"، وخاصة في عصور ما قبل التدوين المنظم , ذي الأساليب و الإمكانات المنضبطة شيئًا ما . وإذا كان هذا ثابتًا لاشك فيه , فهل يقبل منطق البحث العلمي النزيه , أن يتخذ إغفال التواريخ القديمة لحادثة فردية , مثل كلام طفل في المهد , دليلًا قاطعًا على كذب الوحي في إخباره بها (800) ؟).
"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ; (آل عمران 144) ."
قال ابن عباس ومجاهد والضحّاك: لما نزل النبيُّ بأُحُد، أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقُتل صاحب لوائهم، حمل محمد مع أصحابه فهزموا أبا سفيان، فبادر قومٌ من الرماة إلى الغنيمة. وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفّار، فلما رأى تفرُّق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرّق جمعهم وكثُر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي محمدًا بحجر فكسر رباعيَّته وشجَّ وجهه، وأقبل يريد قتله، فذبَّ عنه مصعب بن عمير (وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أُحد) حتى قتله ابن قميئة، فظن أنه قتل محمدًا، فقال: قد قتلت محمدًا وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قُتل! ففشا في الناس خبر قتله، فهنالك قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أُبيّ يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان . وقال قوم من المنافقين: لو كان نبيًا لما قُتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم . فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم، إن كان محمد قد قُتل فإن ربَّ محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد محمد؟ قاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه . ثم قال: اللهم، إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء . ثم سلَّ سيفه فقاتل حتى قُتل. ومرَّ بعض المهاجرين بأنصاريٍّ يتشحَّط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قُتل؟ فقال: إن كان قد قُتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم . ولما شُجَّ وجه محمد وكُسرت رباعيته، احتمله طلحة بن عبد الله، ودافع عنه أبو بكر وعلي ونفر آخرون معهم. ثم أن محمدًا جعل ينادي ويقول: إليَّ عبادَ الله حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هزيمتهم، فقالوا: يارسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا. أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولَّينا مُدْبرين . ومعنى الآية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسِّكين بعد خُلوِّهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوّه، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدًا (الرازي في تفسير آل عمران 3: 144) .
هذا بالإضافة إلى أن هذه الآية كان قد قالها مصعب ابن عمير، حتى أن السيوطي يقول إن هذه الآية لم تُسمع إلا من مصعب، ثم بعد ذلك قال محمد إن الله أنزلها عليه (الإتقان في علوم القرآن - باب ما نزل من القرآن على لسان الصحابة) .
الحكمة والفوائد من أسباب النزول:
-1الحكمة:
أ- معرفة وجه ما ينطوي عليه تشريع الحكم على التعيين لما فيه نفع المؤمنين وغير المؤمنين، فالمؤمن يزداد إيمانًا على إيمانه لما شاهده وعرف سبب نزوله، والكافر إن كان منصفًا يبهره صدق هذه الرسالة الإلهية فيكون سببًا لإسلامه، لأن ما نزل بسبب من الأسباب إنما يدل على عظمة المُنزل وصدق المُنزَل عليه.
-2الفوائد:
أ- الاستعانة على فهم الآية وتفسيرها وإزالة الإشكال عنها، لما هو معلوم من الارتباط بين السبب والمسبب.
قال الواحدي: لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.
قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
قال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
وقد أشكل على مروان بن الحكم قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا...} [آل عمران: 188] .