وقال المؤلف: إن القرآن قد خالف الإنجيل في مكان سكناها من قبل الحبل بعيسى ـ عليه السلام ـ ففى القرآن: أنها كانت تسكن في محراب أورشليم ، أو في أى مكان مجهول. وفى الإنجيل أنها كانت تسكن فى"الناصرة" [لو 1: 26ـ23] .
الرد على الشبهة:
1 ـ جاء في إنجيل يعقوب: أن مريم وهى في سن الثالثة: ذهبت بها أمها بصحبة أبيها إلى"أورشليم"وسلماها إلى كهنة هيكل سليمان ، وكانت علامات السرور تبدو عليها. ثم تركاها ورجعا إلى أورشليم ، وعاشت مع الراهبات المنذورات إلى أن حبلت.
2 ـ وإن أنت نظرت في خريطة فلسطين. تجد حبرون أسفل أورشليم وقريبة منها ، وتجد الناصرة على نفس الخط وبعيدة عن أورشليم. فتكون أورشليم غرب الناصرة ، وشرق حبرون.
3 ـ وفى الإنجيل:"وفى ذلك الوقت ولد موسى وكان جميلًا جدَّا. فربى هذا ثلاثى أشهر في بيت أبيه. ولما نُبذ ؛ اتخذته ابنة فرعون ، وربته لنفسها ابنًا" [أعمال 7: 21]
قوله"ولما نبذ"لا يدل على أن أهله كرهوه وإنما يدل على أنهم وضعوه في التابوت وهم لوضعه كارهون. ومن ينتبذ عن قوم ؛ لا يدل انتباذه عنهم على كرهه لهم ، وإنما يدل على ابتعاده عنهم لسبب أو لأسباب. وإذ صح وثبت أن ابتعادها عنهم كان لعبادة الله ؛ يثبت أنها لم تنتبذ لمشاجرة.
4 ـ وقد تبين أن"الناصرة"من نصيب سبط زبولون ـ وهو من أسباط السامريين ـ وهى من سبط يهوذا ـ على حد زعمه ـ فكيف تكون من سكان الناصرة ؟ وإذا كانت من سكان الناصرة ، فلماذا أتت إلى أورشليم لتعدّ مع سكانها. وسكان أورشليم من سبطى يهوذا وبنيامين ؟ فالحق ما قاله القرآن أنها كانت هارونية. ومعلوم أن زكريا وامرأته ويوحنا المعمدان كانوا من التابعين لأهل أورشليم.
لقد ولدت مريم السيد المسيح في بيت لحم كما تنبأ أنبياء التوراة بذلك قبل حدوثه بمئات السنين ، وليس بجوار جذع نخلة. ووضعت مريم وليدها في مذود [لوقا 2: 2ـ20] وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها: أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول. فإذا مرّ بها أحد تقول: (إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا ) (1) فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة ؟
الرد على الشبهة:
1 ـ ولادة المسيح في بيت لحم ـ كما قال المؤلف ـ تدل على أن مريم من سكان الخليل التى هى حبرون ، ولا تدل على أنها من سكان الناصرة. ففى خريطة فلسطين تجد بيت لحم تحت أورشليم ، وبعدها حبرون. وعلى هذا تكون مريم بعد حملها بالمسيح وإحساسها بدنو الوضع. قد اتجهت إلى حَبرون (فأجاءها المخاض (عند بيت لحم. ولو كانت من الناصرة وأحست بالحمل وبالوضع. لاتجهت إلى الناصرة. وعندئذ يكون الوضع في مكان بين أورشليم وبين الناصرة. فقولهم بالمخاض في بيت لحم يصدق القرآن في أنها كانت من نسل هارون الساكنين في حبرون.
2 ـ وقول المعترض: إن التوراة تنبأت بولادة المسيح في بيت لحم. يقصد به ما جاء في سفر ميخا وهو"أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا ، فمنك يخرج لى الذى يكون متسلطًا على إسرائيل ، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" [ميخا 5: 2] .
والنبوءة موضوعة وليست من النص الأصلى. بدليل: أن المسيح كان من الهارونيين من جهة أمه ، وبيت لحم من مدن سبط يهوذا. ولو كان له أب لأمكن للنصارى نسبته إلى سبط أبيه. ولكنه لا أب له ؛ فكيف ينتسب إلى سبط يهوذا أو غير سبط يهوذا ؟ وبدليل: أن المتسلط على إسرائيل وهو النبى الأمى الآتى على مثال موسى. يكون ملكًا وفاتح بلاد. ولم يكن المسيح ملكًا ولا فاتح بلاد.. وبدليل: أن سفر ميخا مرفوض من السامريين. وبدليل أن شراح سفر ميخا يصرحون بالتناقض فيه.والنبوءة من مواضع التناقض التى صرحوا بها. يقول الشراح:"هناك تعليمان متشابكان في كتاب ميخا: الأول: الله يدين شعبه ويعاقبه [ف1 ـ 3: 6: 1 ـ 7: 7] الله يعد شعبه بالخلاص [ف 4ـ 5 و 7: 8ـ20] حين يُعيده إلى حاله السابقة ويجعله بقيادة رئيس من نسل داود [5: 1ـ4] ."
3 ـ وقد جاء في إنجيل متى الأبوكريفى معجزة النخلة.
4 ـ وكلام المسيح في المهد جاء في برنابا وفى إنجيل الطفولية العربى ، وجاء في تاريخ يوسيفوس.
5 ـ وقال المعترض: إن المسيح كلم أمه من تحتها: أن تهز جذع النخلة.. إلخ. وهو قد قال بذلك على قراءة"مِن تحتها"والحق: أن الذى ناداها هو ملاك الله نفسه. وسياق الكلام يدل على أنه الملاك. فإنه قد قال لها: (كذلك قال ربك هو علىّ هيّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان ... أمرًا مقضيًا ) (2) ، ولما حملته وانتبذت به وأجاءها المخاض وتمنّت الموت ؛ عاد إلى خطابه معها فقال: (ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا فكلى واشربى وقرى عينًا فإما ترين من البشر أحدًا فقولى إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا ) (3) .