فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الفصل الأول: المعنى الصحيح لمحبته صلى الله عليه وسلم والأدلة على وجوبها
المبحث الأول: المعنى الصحيح لمحبته صلى الله عليه وسلم:
المطلب الأول: تعريف المحبة:
أحببت قبل الشروع في بيان المعنى الصحيح لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم أن أتطرق للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك بهدف التعريف بهذه الكلمة وبيان مدلولها:
أ- أصل اشتقاق المحبة:
قال صاحب لسان العرب:"المحبة: اسم للحب" [1] ، ويرى ابن القيم أن مادة كلمة"حب"تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها"حبب الأسنان"
الثاني: العلو والظهور، ومنه"حبب الماء وحبابه"وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه.
الثالث: اللزوم والثبات، ومنه، حب البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.
قال الشاعر:
حلت عليه بالفلاة ضربا ضرب بعير السوء إذ أحبَّا
الرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبه وداخله.
ومنه: الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.
الخامس: الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضا.
ثم قال رحمه الله: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة:
1-فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب.
2-وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد.
3-وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه.
4-ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده، وهو قلبه.
5-ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه.
فاجتمعت فيها المعاني الخمسة [2] .
ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة:"الحاء"التي هي من أقصى الحلق.
و"الباء"الشفوية التي هي نهايته.
فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وقالوا في فعلها: حَبْهُ وأحَبْهُ.
ثم اقتصروا على اسم الفاعل من"أحب"فقالوا:"مُحِبٌّ"ولم يقولوا"حاب". واقتصروا على اسم المفعول من"حب"فقالوا:"محبوب"ولم يقولوا"مُحَب"إلا قليلا كما قال الشاعر:
ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المُحَب المكرم [3]
وأعطوا"الحب"حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها.
وأعطوا"الحِب"وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم...
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات [4] .
ب- الحد الاصطلاحي للمحبة:
قال ابن حجر [5] :"وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانا ولا يمكن التعبير عنها" [6]
وقال ابن القيم:"لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة" [7] .
قلت: وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفس فالمحبة أمر شعوري وجداني يتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القيم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها.
ولذلك فلا داعي لذكر تعريفات العلماء لها فحدها وجودها، والحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى
المطلب الثاني: أقسام المحبة:
أ- أقسام المحبة من حيث العموم:
تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين:
1-مشتركة. ... ... ... 2- خاصة.
القسم الأول: المحبة المشتركة.
وهي ثلاثة أنواع:
أحدها: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.
الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم.
الثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، لبعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه الأنواع الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق رضي الله عنه.
القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله.
ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.