فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الوجه الثالث: إن عائشة - رضي الله عنها - لا يخفى عليها أن هذا الأمر من عمل الجاهلية ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية) [ رواه البخاري في صحيحه] .
وهي من هي فقها وعلمًا ، وعن فقهها وعلمها يقول الذهبي - رحمه الله: (عائشة أم المؤمنين بنت الإمام الصديق الأكبر ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم... القرشية التيمية ، المكية ، النبوية ، أم المؤمنين ، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ، أفقه نساء الأمة على الإطلاق ) .
وقال أيضًا: ( ولا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل ولا في النساء مطلقًا ، امرأة أعلم منها) .
وقال عنها ابن كثير - رحمه الله: ( ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي أعلم النساء على الإطلاق) .
وقد شهد ببراءة السيدة عائشة - رضي الله عنها - من هذا العمل الذي هو من أعمال الجاهلية الصحابي الجليل قيس بن عاصم - رضي الله عنه - وهو يوصي أبناءه عند وفاته ، حيث قال: ( يا بني خذوا عني فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني ، لا تنوحوا علي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُنح عليه، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن النياحة) [ الألباني ، صحيح الأدب المفرد للبخاري . الألباني ، صحيح سنن النسائي] . والشاهد هو قول هذا الصحابي الكريم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.
لما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم نقلة هذا الدين فقد توجهت إليهم سهام الزنادقة في كل عصر للنيل منهم.
وفي ذلك يقول أبو زرعةالرازي - رحمه الله: ( إذا رأيت الرجل يتنقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن ، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة) .
كما تحدث الطحاوي - رحمه الله - عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) .
والنيل من الصحابة - رضوان الله عليهم - ليس مقصودًا لذاته فقط ، بل إن الهدف الأهم لدى الزنادقة هو النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن طريق الطعن في أصحابه - رضوان الله عليهم - وفي ذلك يقول مالك - رحمه الله: ( إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين) .
هذا وتعد كتب التاريخ والأدب أوسع باب دخل منه أعداء الإسلام للنيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ساعدهم في تنفيذ مآربهم ذلك الكم الهائل من الروايات الضعيفة والمكذوبة المنتشرة في المصادر التاريخية والأدبية عن عصر الصحابة - رضوان الله عليهم.
من أجل ذلك كله وجدت أن أفضل منهج لدراسة عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - هو المنهج النقدي لدى المحدثين - رحمهم الله - لكونه يجمع بين الضوابط الشرعية والمنهجية العلمية ، هذا مع الاستفادة في الوقت نفسه من منهج النقد التاريخي.
وعلى أية حال ، ومن دون الدخول في تفاصيل علمية جافة ، فإنه يمكن تلخيص الخطوط العريضة لهذا المنهج بالنقاط التالية:
أولًا: وهي نقطة مهمة ينبغي للمسلم أن يتنبه لها في كل عمل من أعماله ، ألا وهي: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى ، إذ ببركة الإخلاص يفتح الله سبحانه وتعالى على العبد كثيرًا من الأمور التي تستغلق عليه.
ثانيًا: معرفة أن المصادر التاريخية أشبه ما تكون بالمواد الخام التي تحتاج إلى التكرير والتصفية قبل الاستفادة منها ، وذلك أن مؤلفيها لم يشترطوا الصحة فيما يدونونه من أخبار ، بل ساروا في عملية التدوين على منهج الجمع ، فجمعوا في كتبهم الغث والسمين من الأخبار ، وهذه النقطة مع الأسف تجاهلها كثير من الباحثين المعاصرين ، وراحوا يتعاملون مع المصادر التاريخية وما فيها من نصوص على أنها من المسلمات ، وهذا بلا شك انعكس بدوره على النتائج التي توصلوا إليها في أبحاثهم.
فالإمام الطبري - رحمه الله - على سبيل المثال قد سار في تاريخه على منهج الجمع فقيد في تاريخه الغث والسمين من الأخبار، دون اشتراط الصحة في ذلك ، بل إنه - رحمه الله - قد أشار إلى هذه المسألة في مقدمته حيث قال: ( فما يكن في كتابي من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه ، أو يستشنعه سامعه ، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ، ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا ، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا) .