فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
استشهد بعض المعاصرين في سردهم لخبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم برواية فيها زيادة منكرة عند العلماء لأنها تحمل في طياتها إساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وللسيدة عائشة رضي الله عنها ، حيث تتضمن اتهامًا لأم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- بأمر من أمور الجاهلية مثل: الولولة ، والصراخ ، واللطم ، جزعًا لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفيما يلي نص الرواية:
بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يردد: ( بل الرفيق الأعلى ، بل الرفيق الأعلى) تقول - المراد عائشة - رضي الله عنها -: وهو يرددها سقط رأسه على كتفي ، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وشخص بصره إلى السماء. فمن حمقي ، وقلة عقلي أنزلت رأس النبي صلى الله عليه وسلم على وسادة ، وأخذت أولول ، وأصرخ ، وألطم).
وهذه الزيادة المنكرة مردودة من عدة أوجه:
الوجه الأول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختر أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - من بين نسائه ليقضي عندها تلك السويعات التي بقيت له في الدنيا لحمقها وقلة عقلها ، بل اختارها صلى الله عليه وسلم لفقهها ، وعلمها ، وحبه لها ، رضوان الله عليها.
عن هشام بن عروة بن الزبير ، عن أبيه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول:(أين أنا غدًا ؟) حرصًا على بيت عائشة ، قالت عائشة: فلما كان يومي سكن) [رواه البخاري في صحيحه] ، [ سكن: أي سكت عن قول: أين أنا غدًا ] .
وعن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول:(أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدًا ؟) استبطاء ليوم عائشة. قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) [ رواه مسلم في صحيحه] . [ سحري: أي صدري ] .
وهذا الفضل العظيم الذي خص الله - سبحانه وتعالى - به أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - جعل الإمام البخاري يخرّج بعض أحاديث مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته في باب فضل عائشة - رضي الله عنها - وكذلك فعل الإمام مسلم في صحيحه ، وهذا من فقههما ودقة فهمهما ، رحمهما الله.
وعن هشام ، عن أبيه قال: ( كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة. قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة ، فقلن: يا أم سلمة ، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، وإنا نريد الخير كما تريد عائشة ، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث ما دار. قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم ، قالت: فأعرض عني ، فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك ، فأعرض عني ، فلما كان الثالثة ذكرت له فقال:( يا أم سلمة ، لا تؤذيني في عائشة ، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها) [ رواه البخاري في صحيحه] .
وقد علق الذهبي على جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة بقوله: (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها ، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) .
الوجه الثاني: إن حال عائشة - رضي الله عنها - مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته لم يتصف بالحمق وقلة العقل ، بل كان حالها حال الزوجة المؤمنة الصابرة الراضية بقضاء الله سبحانه وتعالى.
عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ، ومسح عنه بيده ، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث ، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه) [ رواه البخاري في صحيحه] .
وعن عروة بن الزبير ، أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول إنه:( لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُحيا أو يخيّر) ، فلما اشتكى ، وحضره القبض ، ورأسه على فخذ عائشة ، غشي عليه ، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ، ثم قال: (اللهم في الرفيق الأعلى) . فقلت: إذًا لا يختارنا ، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح ) [ رواه البخاري في صحيحه] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي ، وبين سحري ونحري ، وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال:( في الرفيق الأعلى ) .
ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة ، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فظننت أن له بها حاجة ، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها فدفعتها إليه ، فاستن بها كأحسن ما كان مستنًا ، ثم ناولنيها ، فسقطت يده ، أو سقط من يده ، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ) [ رواه البخاري في صحيحه] .