فهرس الكتاب

الصفحة 2058 من 4557

وأما قوله تعالى: { أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل خاصة باطل، وقيل: العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء، وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف.

إذا عرفت هذا فنقول: { أَيَّتُهَا الْعِيرُ } المراد أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي وقرأ ابن مسعود: { وَجَعَلَ السّقَايَةَ } على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } .

فإن قيل: هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقوامًا وينسبهم إلى السرقة كذبًا وبهتانًا، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة.

قلنا: العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوهًا:

الأول: أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له: إني أريد أن أحبسك ههنا، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنبًا.

والثاني: أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك.

والثالث: أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذبًا.

الرابع: ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها ثم إن إخوة يوسف { قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي { تَفْقِدُونَ } من أفقدته إذا وجدته فقيدًا قالوا تفقد صواع الملك.

قال صاحب «الكشاف» : قرىء صواع وصاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها، والعين معجمة وغير معجمة. قال بعضهم جمع صواع صيعان، كغراب وغربان، وجمع صاع أصواع، كباب وأبواب. وقال آخرون: لا فرق بين الصاع والصواع، والدليل عليه قراءة أبي هريرة: { قَالُواْ نَفْقِدُ صاعَ الْمَلِكُ } وقال بعضهم: الصواع اسم، والسقاية وصف، كقولهم: كوز وسقاء، فالكوز اسم والسقاء وصف.

ثم قال: { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } أي من الطعام { أَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } قال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي أذن. وتفسير زعيم كفيل. قال الكلبي: الزعيم الكفيل بلسان أهل اليمن. وروى أبو عبيدة عن الكسائي: زعمت به تزعم زعمًا وزعامة. أي كفلت به، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:"الزعيم غارم"

فإن قيل: هذه كفالة بشيء مجهول؟

قلنا: حمل بعير من الطعام كان معلومًا عندهم، فصحت الكفالة به إلا أن هذه الكفالة مال لرد سرقة، وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم

قالوا: إنْ يَسْرِق فقد سَرَق أخٌ له مِن قَبُْل

قالوا: إنْ يَسْرِق فقد سَرَق أخٌ له مِن قَبُْل. فأَسرَّها يوسف في نفسه ولم يُبْدِها لهم. قال: أنتم شرٌّ مكانًا (آية 77) .

يؤخذ من عبارة القرآن أن بنيامين سرق الصاع مثل أخيه يوسف، فإن المسلمين قالوا إن يوسف سرق صنم جدّه أبي أمه. وقيل سرق بيضةً أعطاها للفقراء، وقيل دجاجة. وقيل كان يخبىء الطعام ليتصدّق به، وغير ذلك (الكشاف في تفسير هذه الآية) وهو غير صحيح، فإن يوسف لم يسرق شيئًا. والحقيقة هي أنه لما وجد عبيدُ يوسف الطاسَ في عِدل بنيامين، مزّق إخوتُه ثيابهم، وتحدث يهوذا حديثًا مؤثرًا جدًا، وقال ليوسف: خذني عِوضًا عنه، لأني إذا صعدتُ إلى أبيه بدونه يموت والدي. وبذلك ظهرت محبتهم لبنيامين، وأن طباعهم تغيّرت عما كانوا عليه وقت يوسف. فتأثر يوسف من أقوالهم وتصرفاتهم وأمر بإخراج الحاضرين وبكى، وعرّفهم نفسه، وسكّن روعهم

الرد

أولًا: لا توجد توراة بل ثلاث نسخ مختلفة ولم نصل إلى النسخة الحقيقية .

1)النسخة اليونانية 2) النسخة العبرانية 3) النسخة السامرية

اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا: هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين، ثم قالوا: يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: فكيف خرج الصواع من رحلك، فقال: وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت