ولم يكتف بما تقدم ، بل أخذ يبحث عن كل شاردة وواردة ، ويتصيد كل ساقط من القول ، ليتخذ من ذلك دليلًا على التشكيك في أمانة الزهري ودينه وخلقه ، حتى وإن كانت النصوص التاريخية - التي يتجاهلها عمدًا أو يحرفها إذا اقتضت الضرورة - تكذبه وتدحض كل شبهاته ، ومن ذلك زعمه بأن الزهري حج مع"الحجاج بن يوسف الثقفي"الذي عرف بالجور والظلم ، مع أن الثابت تاريخيًا أن الزهري رحمه الله إنما حج مع عبد الله بن عمر وكان معه حين اجتمع مع الحجاج كما ورد ذلك في تهذيب التهذيب .
وأخيرًا عاب على الزهري أنه تولى القضاء"ليزيد الثاني"وكان الأولى به - لو كان تقيًا- أن يهرب كما هرب الشعبي والصالحون محتجًا بحديث: ( من ولي القضاء أو جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين ) ، فجعل من ذلك مبررًا كافيًا لاختلال مروءته وسقوط عدالته .
مع أن أحدًا من أهل العلم لم يعتبر تولي القضاء من موجبات الجرح ، والاتهام في العدالة ، وقد تولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القضاء بين الناس ، وولاه بعض الصحابة كعلي و معاذ و معقل بن يسار وغيرهم ، كما تولى الخلفاء الراشدون بأنفسهم القضاء ، وولى عمرُ أبا الدرداء قضاء المدينة ، و شريحًا قضاء البصرة ، و أبا موسى الأشعري قضاء الكوفة ، وجاء في كتاب تولية عمر له قوله:"فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة ...."إلى أن قال:"فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ، ويحسن به الذكر".
كما تولى كثير من التابعين القضاء لبني أمية وغيرهم مثل شريح ، و أبي إدريس الخولاني ، و الحسن البصري ، و عبد الرحمن بن أبي ليلى ،و القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، و مسروق ، ومنهم من تولى القضاء للحجاج نفسه ، ومع ذلك فلم يرد عن أحد من الأئمة جرح أي منهم ، لتوليهم منصب القضاء ، بل رأيناهم على العكس من ذلك اتفقوا على تعديلهم وتوثيقهم .
وقد نص أهل العلم على أن القضاء تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة ، وأنه قد يجب أحيانًا على من تعين عليه ، لما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأداء الحقوق إلى أهلها ، والإصلاح بين الناس ، وأن تولي القضاء للظلمة جائز بلا نزاع ، وأما الوعيد الوارد في الحديث وغيره من الأحاديث فالمقصود منه حث القاضي على توخي الحكم الشرعي ، والعدل بين الناس ، وتحذير من لم يكن أهلا لتولي هذا المنصب ، أو لم يؤد الحق فيه ، وليس المراد منه النهي عن تولي القضاء مطلقًا ، قال ابن فرحون في تبصرة الحكام:"واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد ، فإنما هي في قضاء الجور للعلماء أو الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم , ففي هذين الصنفين جاء الوعيد".
نعم فرَّ كثيرٌ من العلماء من القضاء ، وتحمل بعضهم في سبيل ذلك بعض الأذى ، ولكن أحدًا منهم لم يفعل ذلك لكونه مسقطًا للعدالة وداعية إلى الجرح ، وإنما فعلوه بدافع الورع والزهد ، والخوف من أن يلقوا الله وعليهم تبعات من أمور الناس .
وبهذا يعلم أن تولي القضاء ليس مسقطًا للعدالة - كما أراد أن يصوره جولد زيهر - ، بل هو شرف عظيم لمن قام بحقه ، ولو لم يكن فيه إلا النيابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحكم بين الناس بما أنزل الله ، لكفى بذلك شرفًا وفضلًا .
هذه هي أهم الشبه التي أثارها هذا المستشرق الحاقد حول إمام من أكابر علماء السنة والحديث ، والتي أراد من ورائها إفقاد الثقة به لدى المسلمين ، وبالتالي إفقاد الثقة بالحديث النبوي ، وهي - كما ترى - شبه وأباطيل لا تستند إلى أية حقيقة تاريخية ثابتة ، وإنما هي من نسج خياله ، وصنع أحقاده ، وعدائه للحديث وأهله ، والله غالب على أمره .
المراجع:
-السنة ومكانتها في التشريع د.مصطفى السباعي .
-المستشرقون والحديث النبوي د.محمد بهاء الدين .
-موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأم
الشبكة الإسلامية)
اتخذ الطعن في السنة أشكالًا متعددة ، وطرقًا متنوعة ، فتارة عن طريق الطعن في حجيتها ومكانتها ، وتارة عن طريق الطعن في الأسانيد والتقليل من شأنها ، وتارة عن طريق الطعن في منهج المحدثين في النقد والجرح والتعديل ، وتارة عن طريق الطعن في المرويات بالتشكيك فيها وادعاء التناقض والتعارض بينها ، إلى غير ذلك من مطاعن سبق الحديث عنها في مواضيع سابقة .