فهرس الكتاب

الصفحة 3239 من 4557

ومن تلك الوسائل التي اتخذها أعداء الإسلام للطعن في السنة وإسقاط الثقة بها ، الطعن في حَملة الأحاديث ورواة السنن من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى شككوا في عدالة الصحابة عمومًا ، وكالوا التهم والافتراءات لبعضهم على وجه الخصوص ، وغرضهم من ذلك تقويض صرح الإسلام ، وزعزعة الثقة بأصوله ، فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين أبلغونا هذا الدين ، وإذا زالت الثقة عنهم أصبح كل الذي بين أيدينا مشكوكًا فيه ، ورحم الله الإمام أبا زرعة الرازي حين قال:"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، , وهم الزنادقة"أهـ .

فقد نسب المستشرقون الوضع في الأحاديث إلى رجال الإسلام القدامى ، ويعنون بذلك جيل الصحابة ، يقول المستشرق اليهودي"جولد زيهر":"ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها ، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم ، وهذه إما قالها الرسول أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى"، ثم قال:"وقد اعترف أنس بن مالك الذي صاحب الرسول عن قرب عشر سنوات ، عندما سئل عما يحدث عن النبي هل حدثه به فعلًا فقال:"ليس كل ما حدثنا به سمعناه عن النبي ولكننا لا نكذب بعضنا"."

وطالب من تبعهم من المستغربين بعدم تمييز الصحابة عن غيرهم ، ووضعهم في ميزان النقد والجرح والتعديل كما يوضع غيرهم .

فقال"أبو رية"في كتابه"أضواء على السنة المحمدية": إنهم - أي العلماء - قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجبًا تطبيقه على كل راوٍ مهما كان قدره - فإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها ، إذ اعتبروهم جميعًا عدولًا لا يجوز عليهم نقد ، ولا يتجه إليهم تجريح ، ومن قولهم في ذلك:"إن بساطهم قد طوي"، ومن العجيب أنهم يقفون هذا الموقف على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضًا"."

وقال أيضًا:"إذا كان الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول ، ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة ، واعتبروهم جميعًا معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، فإن هناك كثيرًا من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة المطلقة ، وإنما قالوا كما قال العلامة المقبلي: إنها أغلبية لا عامة ، وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو ، بل والهوى ، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إن هم إلا بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، مما يرجع إلى الطبيعة البشرية ، وأن سيدهم الذي اصطفاه الله صلوات الله عليه - والله أعلم حيث يجعل رسالته - قد قال: (( إنما أنا بشر أصيب وأخطئ ) )، ويعززون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين والكاذبين ، وبأن كثيرًا منهم قد ارتد عن دينه بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى ، بله ما وقع من الحروب والفتن التي أهلكت الحرث والنسل ، ولا تزال آثارها ولن تزال إلى اليوم وما بعد اليوم ، وكأن الرسول صلوات الله عليه قد رأى بعيني بصيرته النافذة ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فقال في حجة الوداع:" (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )، وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنكم تحشرون حفاة عراة ، وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي ، أصحابي ، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } (المائدة 117) ."

وقال"أحمد أمين"في"فجر الإسلام":"وأكثر هؤلاء النقاد - أي نقاد الحديث - عدلوا الصحابة كلهم إجمالا وتفصيلًا ، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء ، ولم ينسبوا لأحد منهم كذبًا ، وقليل منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم إلى أن قال: وعلى كلٍّ فالذي جرى عليه العمل من أكثر نقاد الحديث - وخاصة المتأخرين - على أنهم عدلوا كل صحابي ، ولم يرموا أحدًا منهم بكذب ، ولا وضع ، وإنما جرحوا من بعدهم"، وقال في موضع آخر:"ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضًا موضع النقد ، وينزلون بعضًا منزلة أسمى من بعض ، فقد رأيت قبل أن منهم من كان إذا روي له حديث طلب من المحدثين برهانًا"أهـ .

وللجواب على هذه الشبهة نقول: إن تعديل الصحابة رضي الله عنهم وتنزيههم عن الكذب والوضع ، هو مما اتفق عليه أئمة الإسلام ونقاد الحديث من أهل السنة والجماعة ، ولا يعرف من طعن فيهم وشكك في عدالتهم إلا الشذاذ من أصحاب الأهواء والفرق الضالة المنحرفة ممن لا يلتفت إلى أقوالهم ، ولا يعتد بها في خلاف ولا وفاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت