والأخرى: كأن يسأل الأستاذ تلميذه في الامتحان، لا ليعلم منه، ولكن ليقرره بما علم.وهكذا الحق سبحانه ـ ولله المثل الأعلى ـ يسأل عبده يوم القيامة عن أعماله ليقرره بها، وليجعله شاهدًا على نفسه، كما قال:
{اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا"14"} (سورة الإسراء)
وقوله تعالى:
{وكفى بربك .."17"} (سورة الإسراء)
كما تقول: كفى بفلان كذا، أي: أنك ترتضيه وتثق به، فالمعنى: يكفيك ربك فلا تحتاج لغيره، وقد سبق أن أوضحنا أن الله تعالى في يده كل السلطات حينما يقضي: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، وهو سبحانه غني عن الشهود والبينة والدليل.
إذن: كفى به سبحانه حاكمًا وقاضيًا وشاهدًا. ولأن الحق سبحانه خبير بصير بذنوب عباده، فعقابه عدل لا ظلم فيه
القاموس المحيط
الفِسْقُ: مصـ. ـ: العِصْيَان؛ حَرِيٌّ بالعاقِلِ أن يتحاشى الفِسْقَ.
وبالطبع فالعصيان لابد أن يسبقه أمر يُعصى .. وبالتأكيد فالفسق في الآية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعصوا ...
أيضا القاموس المحيط
فَسَقَ يَفْسُقُ فِسْقًا وفُسُوقًا: فَجَرَ وتركَ أوامرَ اللَّه، وجاوزَ حدودَ الشَّرع. ـ عن أمرِ ربِّه: خرج عن طاعته ( فَسَجدُوا إلاَّ إِبْليسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) . ـ كلُّ ذي قشر: خرجَ عن قشرهِ؛ فَسَقَتِ الرُّطبة عن قشرها/ فَسَقَتِ الفَأْرَةُ عن جُحْرها.
أي أن الله أمره بالخير فعصى وخرج عن أمر ربه
.. وهكذا بقية المعاجم ..
فالأصل في كلمة فسق هو الخروج عن الأمر
وَإِلَى عَادٍ (أرسلنا) ; أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ 66 قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ... قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَّزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَا نْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ; (آيات 65 و66 و 70 - 72) .
قال مفسِّرو المسلمين كلامًا طويلًا في عاد وهود، وملخّص أقوالهم إن هودًا هو ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح. وقيل هو شالح بن أرفخشد بن سام بن عم أبي عاد. وكان قوم عاد يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودًا فكذّبوه وازدادوا عتوًّا، فأمسك الله المطر عنهم ثلاث سنين حتى جَهِدَهم. وكان الناس حينئذ مُسْلمهم ومُشركهم إذا نزل بهم بلاءٌ توجّهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه، قيل بن عثر ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم. وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عماليق بن لاوذ بن سام، وسيدهم معاوية بن بكر. فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قِينتان له. فلما رأى ذهولهم بالله عما بُعثوا له أهمَّهُ ذلك واستحَى أن يكلّمهم فيه مخافة أن يظنّوا به ثقل مقامهم، فعلَّم القِينتين:
لا يا قيلُ ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا الغماما
فيسقي أرض عادٍ إن عادًا قد أمسوا ما يُبينون الكلاما
حتى غنّتا به، فأزعجهم ذلك. فقال مرثد: والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيّكم وتُبتم إلى الله سُقيتم . فقالوا لمعاوية: احبسه عنا. لا يَقْدُمنّ معنا مكة، فإنه قد اتّبع دين هود وترك ديننا . ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادًا ما كنتَ تسقيهم . فأنشأ الله سحابات ثلاثًا بيضاء حمراء وسوداء، فناداه منادٍ من السماء: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهنّ ماء، فخرجت على عاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارضٌ مُمطِرنا، فجاءتهم منها ريحٌ عقيم أهلكتهم، ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله فيها حتى ماتوا (الطبري في تفسير الأعراف 7: 65 - 70) .
قلنا: (1) ورد في تكوين 10: 22 أن أولاد سام هم عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام، فالظاهر أن كلمة هود محرّفة عن لود.
(2) ولم يرد في التوراة أن هودًا أو لودًا كان نبيًا، وإنه أُرسل إلى قومه. وكذلك لم يرد أن قومه هم عاد.
(3) لم يصرّح القرآن بالرجس الذي أنزله الله على قوم هود، ولو كان شيئًا حقيقيًا لصرّح به.