لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم, نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل, ورجع ابن قميئة إلى المشركين, فقال لهم: قتلت محمدًا, وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه في رأسه, فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل, وجوزوا عليه ذلك, كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام, فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال, ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَّنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ }
لتوضيح أكثر
فالرسول جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المرسل، والآخر الرسالة، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله: { إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } [البقرة: 252]
وقوله: { يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّغْ } [المائدة: 67]
وفعول قد يراد به المفعول، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة
كقوله: لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة، قال: ومن هذا قوله تعالى: { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [طه: 47]
ثم قال: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل، ونظيره >>> قوله: هل زيد قائم، فأنت إنما تستخبر عن قيامه، إلا أنك أدخلت هل على الاسم والله أعلم.
المسألة الثانية: أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل
قال: { إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } [الزمر: 30]
وقال: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [المائدة: 67]
وقال: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ } [الصف: 9]
فالقائل إن قال: لما علم أنه لا يقتل فلم قال { أو قتل } ؟
فان الجواب عنه من وجوه:
الأول: أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها، فانك تقول: ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان، وقال تعالى:
{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء: 22] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة، وليس فيهما فساد، فكذا ههنا.
والثاني: ان هذا ورد على سبيل الالزام، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه، فكذا ههنا
والثالث: ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه، لانه فارق بين الأمرين، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد.
المسألة الثالثة: قوله: { انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } أي صرتم كفارا بعد إيمانكم، يقال لكل من عاد الى ما كان عليه رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه .
وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين: ان كان محمد قتل فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار: ان كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد. وحاصل الكلام أنه تعالى بين أن قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين:
الأول: بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم
والثاني: أن الحاجة الى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة اليه، فلم يلزم من قتله فساد الدين، والله أعلم.
المسألة الرابعة: ليس لقائل أن يقول: إن قوله: { أفإن مات أو قتل } شك وهو على الله تعالى لا يجوز، فإنا نقول: المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد.
والله أعلم
للأستاذ الدكتور/ مجاهد أبو المجد
في البداية والنهاية للإمام إسماعيل بن كثير الدمشقي
قال البخاري رواه عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاه فيها سم.
وقد قال الإمام أحمد حدثنا حجاج ثنا ليث عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة قال لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاه فيها سم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجمعوا لي من كان هنا من اليهود"فجمعوا له، فقال لهم النبي"هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم؟"
فقالوا: نعم يا أبا القاسم
فقال:"هل جعلتم في هذه الشاه سمًا؟"
فقالوا: نعم
قال:"ما حملكم على ذلك؟"
قالوا:"أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك وإن كنت نبيًا لم يضرك".
وفى الصحيحين من حديث شعبه عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك قالت أردت لأقتلك فقال"ما كان الله ليسلطك علي"أو قال:"على ذلك"