ولم يحل السيد بين المرأة وفتاها. ومضت الأمور في طريقها. فهكذا تمضي الأمور في القصور! ولكن للقصور جدرانًا، وفيها خدم وحشم. وما يجري في القصور لا يمكن أن يظل مستورًا. وبخاصة في الوسط الأرستقراطي، الذي ليس لنسائه من هم إلا الحديث عما يجري في محيطهن. وإلا تداول هذه الفضائح ولوكها على الألسن في المجالس والسهرات والزيارات:
ودخل معه السجن فَتَيان. قال أحدُهما: إني أراني أعصِر خمرًا، وقال الآخَر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطيرُ منه. نبِّئْنا بتأويله إنّا نراك من المحسنين. قال: لا يأتيكما طعامٌ تُرزَقانِهِ إلا نبَّأتُكما بتأويله قبل أن يأتيكما. ذلكما مما علّمني ربي...يا صاحِبَيِ السجن، أمّا أحدُكما فيسقي ربَّه خمرًا، وأما الآخر فيُصلَب فتأكل الطير من رأسه. قُضيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان (آيات 36 و37 و41) .
والحقيقة هي ما جاء في تكوين 40 ، فقد أذنب رئيس السقاة ورئيس الخبَّازين إلى فرعون، فحبسهما في المكان الذي كان يوسف مسجونًا فيه. وحلم كل منهما حلمًا في ليلة واحدة فكدّرهما، فقصَّ رئيس السُّقاة حلمه على يوسف وقال له: كنتُ في حلمي وإذا كرمةٌ أمامي وفي الكرمة ثلاثة قضبان، وهي إذا أفرخت طلع زهرُها وأنضجت عناقيدها عنبًا. وكانت كأس فرعون في يدي، فأخذتُ العنب وعصرته في كأس فرعون وأعطيت في يد فرعون. فقال له يوسف: الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام يرفع فرعون رأسك ويردّك إلى مقامك. ثم قال رئيس الخبازين ليوسف: كنت أنا أيضًا في حلمي وإذا ثلاثة سلال حُوَّارَى (بيضاء) على رأسي، وفي السل الأعلى من جميع طعام فرعون من صنعة الخباز، والطيور تأكله من السل عن رأسي. فأجاب يوسف: الثلاثة السلال هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام أيضًا يرفع فرعون رأسك عنك ويعلّقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك
الرد
وهذه هي الحلقة الثالثة والمحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف؛ فكل ما بعدها رخاء، وابتلاء لصبره على الرخاء، بعد ابتلاء صبره على الشدة. والمحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة. والسجن للبريء المظلوم أقسى، وإن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية وسلوى.
وفي فترة المحنة هذه تتجلى نعمة الله على يوسف، بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله. ثم تتجلى نعمة الله عليه أخيرًا بإعلان براءته الكاملة إعلانًا رسميًا بحضرة الملك، وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة، وسلطان عظيم.
{ ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } ..
وهكذا جو القصور، وجو الحكم المطلق، وجو الأوساط الأرستقراطية، وجو الجاهلية! فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف. وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حبًا، ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقًا، ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه، والمرأة تعلن في مجتمع النساء ـ دون حياء ـ أنه إما أن يفعل ما يؤمر به، وإما أن يلقى السجن والصغار، فيختار السجن على ما يؤمر به!.
بعد هذا كله، بدا لهم أن يسجنوه إلى حين!
ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد؛ ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشارًا في طبقات الشعب الأخرى.. وهنا لا بد أن تحفظ سمعة"البيوتات"! وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب، وأن امرأة من"الوسط الراقي!"قد فتنت به، وشهرت بحبه، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية!
{ ودخل معه السجن فتيان } ..
سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص..
ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن، وما ظهر من صلاحه وإحسانه، فوجه إليه الأنظار، وجعله موضع ثقة المساجين، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية، فغضب عليهم في نزوة عارضة، فألقي بهم في السجن.. يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه، فهما يقصان عليه رؤيا رأياها. ويطلبان إليه تعبيرها، لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك:
{ قال أحدهما: إني أراني أعصر خمرًا؛ وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله، إنا نراك من المحسنين } ..
وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة؛ فكونه سجينًا لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين، وجعلهم بالخضوع لهم أربابًا يزاولون خصائص الربوبية، ويصبحون فراعين!