فهرس الكتاب

الصفحة 3005 من 4557

2-عدم إخفاء الرسول لهذه الآية دليل على أمانته وصدقه في تبليغ كل كلمة نزلت في القرآن حتى ولو كانت عتابًا لشخصه

3-هذه الآية اثبتت ان الرسول لم يؤلف القرآن وليس مدعيًا للنبوة لأن من يدعى النبوة سيؤلف كتابًا تنطق كل كلمة فيه بالإشادة والتعظيم والتكريم لشخصه ولن يخطر بباله ولن يفكر أصلًا في أن يأتى بآية تحمل كلمة عتاب له.

4-هذه الآية اثبتت ان الإسلام لا يهمه ان يستميل الناس بوضع الرسول في مكانة إلهية [كما فعل النصارى] حتى يزيد من اتباعه ويزيد عدد معتنقيه .

5-اثبتت هذه الآية صدق وأمانة من جمعوا القرآن وصدق وامانة من حملوه واوصلوه لنا دون ان يحذفوا آية او حرف وخصوصًا اية تحمل عتابًا للرسول

في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 10)

(عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى ? أو يذكر فتنفعه الذكرى ? أما من استغنى فأنت له تصدى ? وما عليك ألا يزكى ? وأما من جاءك يسعى وهو يخشى , فأنت عنه تلهى ?! كلا ! إنها تذكرة . فمن شاء ذكره , في صحف مكرمة , مرفوعة مطهرة , بأيدي سفرة , كرام بررة) . .

إن هذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جدا . أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة . إنه معجزة , هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض , والآثار التي ترتبت على إقرارها بالفعل في حياة البشرية . ولعلها هي معجزة الإسلام الأولى , ومعجزته الكبرى كذلك . ولكن هذا التوجيه يرد هكذا - تعقيبا على حادث فردي - على طريقة القرآن الإلهية في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة فرصة لتقرير الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد .

وإلا فإن الحقيقة التي استهدف هذا التوجيه تقريرها هنا والآثار الواقعية التي ترتبت بالفعل على تقريرها في حياة الأمة المسلمة , هي الإسلام في صميمه . وهي الحقيقة التي أراد الإسلام - وكل رسالة سماوية قبله - غرسها في الأرض .

هذه الحقيقة ليست هي مجرد:كيف يعامل فرد من الناس ? أو كيف يعامل صنف من الناس ? كما هو المعنى القريب للحادث وللتعقيب . إنما هي أبعد من هذا جدا , وأعظم من هذا جدا . إنها:كيف يزن الناس كل أمور الحياة ? ومن أين يستمدون القيم التي يزنون بها ويقدرون ?

والحقيقة التي استهدف هذا التوجيه إقرارها هي:أن يستمد الناس في الأرض قيمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة , آتية لهم من السماء , غير مقيدة بملابسات أرضهم , ولا بمواضعات حياتهم , ولا نابعة من تصوراتهم المقيدة بهذه المواضعات وتلك الملابسات .

وهو أمر عظيم جدا , كما أنه أمر عسير جدا . عسير أن يعيش الناس في الأرض بقيم وموازين آتية من السماء . مطلقة من اعتبارات الأرض . متحررة من ضغط هذه الاعتبارات .

ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك ضخامة الواقع البشري , وثقله على المشاعر , وضغطه على النفوس , وصعوبة التخلي عن الملابسات والضغوط الناشئة من الحياة الواقعية للناس , المنبثقة من أحوال معاشهم , وارتباطات حياتهم , وموروثات بيئتهم , ورواسب تاريخهم , وسائر الظروف الأخرى التي تشدهم إلى الأرض شدا , وتزيد من ضغط موازينها وقيمها وتصوراتها على النفوس .

كذلك ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك أن نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد احتاجت - كي تبلغه - إلى هذا التوجيه من ربه ; بل إلى هذا العتاب الشديد , الذي يبلغ حد التعجيب من تصرفه !

وإنه ليكفي لتصوير عظمة أي أمر في هذا الوجود أن يقال فيه:إن نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد احتاجت - كي تبلغه - إلي تنبيه وتوجيه !

نعم يكفي هذا . فإن عظمة هذه النفس وسموها ورفعتها , تجعل الأمر الذي يحتاج منها - كي تبلغه - إلى تنبيه وتوجيه أمرا أكبر من العظمة , وأرفع من الرفعة ! وهذه هي حقيقة هذا الأمر , الذي استهدف التوجيه الإلهي إقراره في الأرض , بمناسبة هذا الحادث المفرد . . أن يستمد الناس قيمهم وموازينهم من السماء , طلقاء من قيم الأرض وموازينها المنبثقة من واقعهم كله . . وهذا هو الأمر العظيم . .

إن الميزان الذي أنزله الله للناس مع الرسل , ليقوموا به القيم كلها , هو: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . . هذه هي القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل ! وهي قيمة سماوية بحتة , لا علاقة لها بمواضعات الأرض وملابساتها إطلاقا . .

ولكن الناس يعيشون في الأرض , ويرتبطون فيما بينهم بارتباطات شتى ; كلها ذات وزن وذات ثقل وذات جاذبية في حياتهم . وهم يتعاملون بقيم أخرى . . فيها النسب , وفيها القوة , وفيها المال . وفيها ما ينشأ عن توزيع هذه القيم من ارتباطات عملية . . اقتصادية وغير اقتصادية . . تتفاوت فيها أوضاع الناس بعضهم بالنسبة لبعض . فيصبح بعضهم أرجح من بعض في موازين الأرض . .

ثم يجيء الإسلام ليقول: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . . فيضرب صفحا عن كل تلك القيم الثقيلة الوزن في حياة الناس , العنيفة الضغط على مشاعرهم , الشديدة الجاذبية إلى الأرض . ويبدل من هذا كلهتلك القيمة الجديدة المستمدة مباشرة من السماء , المعترف بها وحدها في ميزان السماء !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت