فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي قد يعطل الرسول عن الأمر الخطير. الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير؛ والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينة، وإخلاصه لأمر دعوته، وحبه لمصلحة الإسلام، وحرصه على انتشاره!
ولهذه المسألة وجهين:
الأول: ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء ، فلهذا السبب حصلت المعاتبة
والوجه الثاني: هذا العتاب لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة والسلام من الفعل الظاهر، بل على ما كان منه في قلبه ، وهو أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم، فلما وقع التعبيس والتولي لهذه الداعية وقعت المعاتبة .
وفي الموضع سؤالات:
الأول: أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر، فكيف عاتب الله رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره؟ وإنما قلنا: إنه كان يستحق التأديب لوجوه أحدها:
أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم ، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار، وكان يسمع أصواتهم أيضًا، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام، وذلك معصية عظيمة .... لكن الله عاتبه لأن الأعمى يستحق مزيد الرفق والرأفة
وثانيها: أن الأهم مقدم على المهم، وهو كان قد أسلم وتعلم، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا، وهو إسلامهم سببًا لإسلام جمع عظيم، فإلقاء ابن أم مكتوم، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم، لغرض قليل وذلك محرم
وثالثها: أنه تعالى قال: { إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [الحجرات: 4]
فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع على الرسول أعظم مهماته، أولى أن يكون ذنبًا ومعصية، فثبت بهذا أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصية، وأن الذي فعله الرسول كان هو الواجب ، وعند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه الله تعالى على ذلك الفعل؟...
وهذا العتاب بسبب أن الرسول كان مأذونًا في تأديب أصحابه ، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلًا في إذن الله تعالى إياه في تأديب أصحابه... لكن هنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة.
القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية وقالوا: لما عاتبه الله في ذلك الفعل، دل على أن ذلك الفعل كان معصية، وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب هذا الاعتبار الواحد، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كان كذلك، كان ذلك جاريًا مجرى ترك الاحتياط ، وترك الأفضل ، فلم يكن ذلك ذنبًا البتة.
لذلك نزلت هذه الآية ، { عبس وتولى. أن جاءه الأعمى } .. بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب؛أي بلفظ الإخبار عن الغائب ، وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث لا يحب الله ـ سبحانه ـ أن يواجه به نبيه وحبيبه، عطفًا عليه، ورحمة به ، وتعظيمًا له ، وإكرامًا له عن المواجهة بهذا الأمر،... فالله لم يقل: عبَستَ وتوليتَ.
واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانيًا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجهًا بالتوبيخ وإلزام الحجة
واعلم أن ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما هو معروف من حسن أخلاقه، فإن الذي حصل منه إنما هو عبوس سببه حرصه على اهتداء المشركين ، وكان واثقا من أنه سيلقى ابن أم مكتوم في أوقات أخرى، وهذا العبوس لم يره ابن أم مكتوم رضي الله عنه لأنه كان أعمى، ولم يُرْوَ أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بما يؤذي ابن أم مكتوم أو يجرح شعوره.
وقال المستشرق (ليتنر) حيث قال: (( مرة أوحى الله إلى النبي وحيا شديد المؤاخذة ؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى , ليخاطب رجلا غنيا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان محمد كاذبا -كما يقول أغبياء النصارى بحقه -لما كان لذلك الوحي من وجود ) )
هذه الشبهة التى يلقيها أعداء الإسلام حول قصة عبوس الرسول بسبب مقاطعة إبن أم مكتوم له.إنقلبت عليهم لأنهم من خلالها أثبتوا الآتى:-
1-عندما يقولون ان الله وبخ رسولكم في القرآن..هذا إعتراف أن القرآن من عند الله وأن الله يخاطب رسوله.