فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
واعلمْ أن الأدواء عند العرب كانت مَحدودة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"الحبة السوداء شفاء من كل داء"أي مِن أكثر الأدواء المَعروفة عندهم. ولفْظُ"كل"لا يُفيد العموم المُطلق كما يَتوهَّم كثيرٌ من الناس، فقد جاء في القرآن الكريم عن الريح التي أرسَلها الله على قوم عاد أنها دمَّرت كلَّ شيء مع أنها لم تُدمِّر إلا الناس، اقرأْ قوله تعالى في سورة الأحقاف: (تُدَمِّرُ كلَّ شيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَساكنُهمْ) ومعنى هذا أنها لم تُدمر المساكن ولكنها دمَّرت الأشخاص، بدليل قوله في آيةٍ أخرى من سورة القمر: (تَنْزِعُ الناسَ كأنَّهمْ أعجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) وقوله تعالى في سورة الحاقَّة: (سَخَّرَهَا عليهمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانيةَ أيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى القَوْمَ فيهَا صَرْعَى كأنَّهمْ أعجازُ نَخْلٍ خَاوِيةٍ) .
وجاء عن بَلْقِيسَ أنها أُوتِيَتْ مِن كلِّ شيءٍ، أيْ أُوتِيَتْ مِن كلِّ ما تَحتاجُ إليهِ، قال تعالى في سورة النمل: (إنِّي وَجَدْتُ امرأةً تَمْلِكُهُمْ وأُوتِيَتْ مِن كلِّ شيءٍ ولهَا عَرْشٌ عَظيمٌ) .
وأنت تقول لصَديقك: الحمد لله أنا عندي كل شيء. فهل تَعني أن عندَك كل موجودٍ في الوجود؟ أم تعني أنك تملك الكثير ممَّا تَحتاج إليه وتَحمَد الله عليه راضيًا به؟
أما قوله صلى الله عليه وسلم:"إلا السام"فليس مِن باب الاستثناء المُتَّصِل؛ لأن السام ليس داءً، بل هو قطعٌ للأجل وإنهاء الحياة، ولكنه مِن باب الاستثناء المُنقطع، فهو بمعنى (لكن) كأنه قال: لكن الموت ليس له شفاءٌ، بيانًا لقوله تعالى: (فإذَا جاءَ أجَلُهمْ لا يَستأخِرُونَ ساعةً ولا يَسْتقْدِمُونَ) .
والاستثناء المتصل هو أن يكون ما بعد حرفِ الاستثناء من جِنْسِ المُستثنَى منه، مثل قولك: نجح التلاميذُ إلا تلميذًا.
والاستثناء المُنقطع هو أن يكون المُستثنى من غير جنْس المُستثنى منه، مثل قولك: أقبلَ الناس إلا جمَلًا. فالجمل ليس من جنْس الناس، وعلى ذلك يكون المعنى: أقبل الناس، لكنّ جملًا لم يُقبل.
وقد ظهَر لنا من هذا البيان أن الحبَّة السوداء ليستْ شفاءً لكل داء على وجْه العموم، ولكنه من باب العموم المخصوص بقرينة الواقع المُشاهَد في عالم الطبِّ، والواقع خيرُ دليلٍ على التخصيص، ولفْظُ (كلّ) لا يُفيد العموم المُطلَق كما عرفنا، ولكنه يُفيد الأكثريَّة، بخلاف لفظ (جميع) فإنه يُفيد العموم المُطلَق غالبًا إذا لم يَرِدْ ما يُخصِّصه؛ ولهذا أكَّد اللهُ سُجود الملائكة لآدم بلفظ"أجمعون"بعد لفظ"كلّ"فقال: (فسَجَدَ الملائِكةُ كلُّهمْ أَجْمَعُونَ) فلو كان لفظ (كلّ) يُفيد العُموم المُطلق بنفسه ما كان هناك داعٍ للمُؤكِّد الآخر.
والله أعلم
المصدر:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السؤال:
ما صحة الحديث التالي: