فهرس الكتاب

الصفحة 2146 من 4557

وقد كان بعضهم إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا.. أي آمنا بأن محمدًا مرسل، بحكم ما عندهم في التوراة من البشارة به، وبحكم أنهم كانوا ينتظرون بعثته، ويطلبون أن ينصرهم الله به على من عداهم. وهو معنى قوله: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } .. ولكن: { إذا خلا بعضهم إلى بعض } .. عاتبوهم على ما أفضوا للمسلمين من صحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن معرفتهم بحقيقة بعثته من كتابهم، فقال بعضهم لبعض: { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم } .. فتكون لهم الحجة عليكم؟.. وهنا تدركهم طبيعتهم المحجبة عن معرفة صفة الله وحقيقة علمه؛ فيتصورون أن الله لا يأخذ عليهم الحجة إلا أن يقولوها بأفواههم للمسلمين! أما إذا كتموا وسكتوا فلن تكون لله عليهم حجة!.. وأعجب العجب أن يقول بعضهم لبعض في هذا: { أفلا تعقلون؟ } .. فيا للسخرية من العقل والتعقل الذي يتحدثون عنه مثل هذا الحديث!!

ومن ثم يعجب السياق من تصورهم هذا قبل أن يمضي في استعراض ما يقولون وما يفعلون:

{ أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ؟ } ..

ثم يستطرد يقص على المسلمين من أحوال بني إسرائيل: إنهم فريقان.

فريق أمي جاهل، لا يدري شيئًا من كتابهم الذي نزل عليهم، ولا يعرف منه إلا أوهامًا وظنونًا، وإلا أماني في النجاة من العذاب، بما أنهم شعب الله المختار، المغفور له كل ما يعمل وما يرتكب من آثام!

وفريق يستغل هذا الجهل وهذه الأمية فيزوّر على كتاب الله، ويحرف الكلم عن مواضعه بالتأويلات المغرضة، ويكتم منه ما يشاء، ويبدي منه ما يشاء ويكتب كلامًا من عند نفسه يذيعه في الناس باسم أنه من كتاب الله.

والآية تثبت أن القرآن هو من عند الله ، فكيف علم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنهم وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ

"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَِّه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاشّفَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاِقعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَِّينْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَا دَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ; (آيات 67 - 73) . (1) خاض مفسرو المسلمين في شرح هذه القصة، فقالوا إنه كان في بني إسرائيل شيخٌ موسِر، فقتل بنو أخيه ابنه طمعًا في ميراثه، وطرحوه على باب المدينة، ثم جاءوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرةً. ورُويَ أن شيخًا صالحًا من بني إسرائيل كان له عِجْلة، فأتى بها الغيضة وقال لهم: إني أستودعكها لابني حتى يكبر، فشبَّت وكانت وحيدة بتلك الصفات، فساموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير (الكشاف في تفسير البقرة 2: 67) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت