فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونسأل الذين يستبقون هذه اليد ويأبون الخلاص منها ماذا تبغون من تركها؟ ربما قالوا: نكفها عن الأذى بالسجن حينًا ثم نتركها. ونقول: فإذا خرجت من السجن لتستأنف السرقة وإنزال الفواجع بغيرها ، أنتركها للأبد؟
لا يقول بهذا رجل مخلص للناس ، غيور على كرامتهم المادية والأدبية! ومسألة التريث أو التعجل في إقامة الحد ليست موضع الخلاف بيننا وبين الشاغبين على العقوبات الإسلامية ، فإن الحد لا يقام ? دينًا ? إلا بعد أن يستريح ضمير القاضي إلى ما يحكم به ، وهو لن يحكم على جائع محرج ، ولن يبتَّ الحاكم في قضية أحاطت بها شبهة.
إن اليد التي تقطع هي اليد التي ظلمت المجتمع ، لا اليد التي ظلمها المجتمع ، قال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله ، والله عزيز حكيم ، فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) .
والبلاد التي نفذت قطع السارق هدأت أحوالها ، وسادتها طمأنينة كاملة وأغناها قطع يد واحدة عن فتح سجون كثيرة يسمن فيها المجرمون ، ثم يخرجون أشد ضراوة وأكثر قساوة.
والسطو على مال الغير جريمة فيها قابلية النماء والتجدد ، وتتحول من رغبة في المال الحرام إلى جراءة على الدم الحرام ، وما أيسر أن يقتل اللص من يعترض طريقه وهو يسرق ، سواء أكان المعترض حارس الأمن ، أو صاحب المال.
ويغلب أن يتعاون اللص مع اللص في إدراك مأربه ، ومن هنا تتكون العصابات التي تقطع الطريق ، أو التي تتقاسم المهام في إتمام أعمال السلب والنهب ، والسجون ساحات ممهدة لدراسة هذه المعاصي وإحكام خطتها. وطبيعي أن يتضاعف العقاب مع استفحال الجرم على هذا النحو.
وقد سمعنا بأنباء السطو المسلح على السيارات والقطارات ، أو على الحقول والمتاجر.
والغريب أن بعض الناس يتعاطف مع هؤلاء القطاع ويحاول تخفيف عقوباتهم ، وإني لشديد الريبة في ضمائر هؤلاء المدافعين ، وأكاد أقول: ما يعطف على اللص إلا لص ، ولا على القاتل إلا قاتل.
وقد حسم الإسلام اللجاجة في مجازاة أولائك العابثين ، قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقَتَّلوا أو يصَلَّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ أو يُنفوا من الأرض ، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) .
وهنا ثلاثة أمور لا بد منها:
أولها: أنه لا بد من الحفاظ على أموال الناس ، وإقامة سياج منيع حولها ، ورفض اشتهاء القاعدين الحصول عليها بالأساليب المعوجة ، والحدود السماوية ضمان أكيد لهذا المعنى.
ثانيها: لا مكان للرحمة بمثيري الفوضى ومهدري الحقوق ، فإنَّ تَرك هؤلاء فتح لأبواب العذاب على المجتمع كله ، وإغراء بالظلم ، وإسقاط للقيم.
ثالثها: عندما يكون الانحراف خطأً عارضًا ، فالشارع أول المنادين بإقالة العثرات ، وتيسير المتاب ، وهو القائل: أن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقاب.
لكن البون شاسع بين تعطيل الحدود ، والتدقيق في إيقاعها.
وهناك من يكذب ، فيقول: إن القطع أوجد جمهورًا من العاطلين العاجزين عن العمل ، وهذا اجتراء غريب فإن القطع خلال أربعة عشر قرنًا نفع ولم يضر ، ولم يحس المجتمع بوجوده إلا على ندرة ، لأن الإرهاب بالقطع صرف اللصوص عن السرقة ، وأغراهم بالبحث عن كسب معقول.
كان الرجل في المجتمع العربي الجاهلي هو صاحب السلطان المطلق ، ورب الأسرة المهيمن على جميع أمورها ، ولم يكن هناك نظام يحدد صلاحياته في الأسرة ويبين حقوق زوجه عليه وحقوقه عليها ، ويوضّح الأسس لعلاقاتهما ومعاملة كل منهما للآخر.
وقد كانت الحال كذلك في المجتمعات الأخرى ، التي كانت قائمة قبل ظهور الإسلام ، بل وأسوأ من ذلك.
وجاء الإسلام فأحدث انقلابًا على وضع المرأة السائد آنذاك ، فقلب المفاهيم التي كانت سائدة عن المرأة ، وألغى النظريات التي كانت المرأة تعامل على أساسها ، وأنزل المرأة منزلة رفيعة ، وأعطاها من الحقوق ما كان مثار دهشة وإعجاب الصحابة أنفسهم قبل غيرهم.
ومما جاء به الإسلام في العلاقة بين الزوج وزوجته - وكان الأساس الذي بنى عليه الإسلام علاقة الرجل بالمرأة ، وبموجبه يتم التعامل بينهما - ما أشار إليه سبحانه في قوله:
(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة) بين لهم أنها مخلوقة من أنفس الرجال ، لا من طينة أخرى أحقر وأقل فتحتقر ، وتمتهن ، وخلقت لتكون زوجًا ، لا لتكون خادمًا ، زوجًا يسكن إليها الرجل ، ويجد بجانبها طمأنينة النفس ، وراحة البال ، في جو تسوده المودة ، ويحكمه التراحم ، والتعاطف ، لا التحكم والتسلط: (وجعل بينكم مودة ورحمة) .
على تلك الأسس السامية شرع الإسلام علاقة المرأة بالرجل ، وقرر ما للزوج وما للزوجة من حقوق وواجبات كل منهما قِبَل الآخر.