فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 4557

3 ـ أما إذا تزوج غير مسلم من مسلمة فإن عنصر الاحترام لعقيدة الزوجة يكون مفقودًا. فالمسلم يؤمن بالأديان السابقة ، وبأنبياء الله السابقين ، ويحترمهم ويوقرهم ، ولكن غير المسلم لا يؤمن بنبى الإسلام ولا يعترف به ، بل يعتبره نبيًّا زائفًا وَيُصَدِّق ـ في العادة ـ كل ما يشاع ضد الإسلام وضد نبى الإسلام من افتراءات وأكاذيب ، وما أكثر ما يشاع.

وحتى إذا لم يصرح الزوج غير المسلم بذلك أمام زوجته فإنها ستظل تعيش تحت وطأة شعور عدم الاحترام من جانب زوجها لعقيدتها. وهذا أمر لا تجدى فيه كلمات الترضية والمجاملة. فالقضية قضية مبدأ. وعنصر الاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة أساس لاستمرار العلاقة الزوجية.

4 ـ وقد كان الإسلام منطقيًّا مع نفسه حين حرّم زواج المسلم من غير المسلمة التى تدين بدين غير المسيحية واليهودية ، وذلك لنفس السبب الذى من أجله حرّم زواج المسلمة بغير المسلم.

فالمسلم لا يؤمن إلا بالأديان السماوية وما عداها تُعد أديانًا بشرية. فعنصر التوقير والاحترام لعقيدة الزوجة في هذه الحالة ـ بعيدًا عن المجاملات ـ يكون مفقودًا. وهذا يؤثر سلبًا على العلاقة الزوجية ، ولا يحقق"المودة والرحمة"المطلوبة في العلاقة الزوجية

من الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام ، ويقولون بأنها تنافي حرية المرأة في اختيار من ترضاه زوجًا لها ، اشتراط الولي في النكاح ، فيقولون: إن وجود الولي واشتراطه ، يمنع الفتاة من أن تختار من تريده زوجًا لها بحرية تامة ، بل كثيرًا ما يفرض عليها الولي من يرضاه هو ، ويختاره لها زوجًا ، وهذا ينافي أبسط الحقوق.

هذا ملخص الشبهة التي يثيرها أعداء الإسلام ، ويظنون أنهم وجهوا طعنة لا ترد ، ووجدوا ثغرة وثلمًا في الإسلام - زعموا - يستطيعون من خلالهما الطعن في عدالته في حق المرأة ، والنيل منه.

ونقول: إن ما زعموه من تحكم الولي بموليته في النكاح ، ليس من الإسلام في شيء ، بل هو تقاليد لبعض المجتمعات الإسلامية ، توارثوها عن آبائهم ، وأعراف تعارفوا عليها ، وبمرور الزمن ، وتعاقب الأجيال وبسبب الجهل بالدين ، أخذت تلك الأعراف والتقاليد طابع الاحترام والتقديس ، وأخيرًا أُلصقت بالدين ، والدين منها براء ، وقد أسلفنا الكلام على (رأي المرأة في اختيار زوجها) وأوضحنا هدي الإسلام في هذا الموضوع ، ودور الولي في هذا الشأن ، وذكرنا ما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وما فهمه السلف منه وطبقوه.

إن الإسلام أعطى للمرأة البالغة العاقلة: بكرًا ، أو ثيبًا ، كامل الحرية في قبول أو رفض من تقدم لخطبتها ، ولم يجعل لأبيها ، وهو أقرب الناس إليها ، ولا لولي غيره أن يجبرها على من لا ترضاه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح الأيِّم حتى تُستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن) .

بل وصل الأمر إلى رد الزواج ، وإبطال العقد ، إذا جرى بدون رضاها ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح خنساء بنت خدام ، حين زوَّجها أبوها وهي ثيب من شخص لا تريده ، حيث رد نكاحه.

وخيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة بكرًا ، زوَّجها أبوها من ابن أخيه ، وهي غير راضية ، خيرها بالإمضاء أو الرد.

ولم يجعل الإسلام للولي حقًا في تزويج موليته ، بغير إذنها ، إلا الأب بالنسبة لابنته الصغيرة غير البالغة ، فقد أجمع أهل العلم من المسلمين على أن للأب - فقط - تزويجها بغير إذنها ، لما روت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين ، وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين) ، على أن يكون الزوج كفئًا ، لأن الله تعالى أقامه مقامها ناظرًا لها فيما فيه الحظ لنفسها ، فلا يجوز له أن يفعل ما لا حظ لها فيه ، ولأنه إذا حرم عليه التصرف في مالها بما لا حظ لها فيه ، ففي نفسها أولى.

وقد جاز للأب فقط تزويج الصغيرة غير البالغة ، لأن عطف الأب وحبه لابنته يدعوانه إلى اختيار الأصلح لها.

لما كانت المرأة عاطفية بطبعها ، مندفعة في تصرفاتها ، يغرّها المظهر ، ولا تسعى إلى معرفة المخبر من الرجل غالبًا ، فقد جعل الإسلام للولي حق منع الزواج إذا اختارت لنفسها زوجًا غير كفء لها ولأسرتها ، وذلك لأن المرأة وأسرتها يعيران بالزوج غير الكفء ، ويلحقهما بسببه مذلة وعار ، وليس في هذا ما ينافي حرية المرأة في اختيار من ترضاه ، لكن لكل حرية حدود تنتهي إليها ، فليس لأحد كائنًا من كان مطلق الحرية في كل ما يفعل ، بل هناك اعتبارات تجب مراعاتها ، وحدود يُنتهى إليها.

وأيضًا: صيانة المرأة ، وتكريمًا لها ، ولما طبعها الله عليه من الحياء ، فقد جعل الإسلام حق تولي العقد ومباشرته للولي ، فلا يصح أن تتولى المرأة مباشرة عقد نكاحها ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي) ، وقوله: (لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت