والرد أن الاستشكال من عدم فهم دلالات حروف المعاني. ذلك أن ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية وأن ( على ) تفيد العلو. فتكون الأولى مفيدة أنا متعبدون
بهذا الشرع المنزل، والثانية مفيدة أن مصدر هذا الشرع هو الله تعالى لا غيره. فكان لكل فائدة زائدة، ولله الحكمة البالغة.
قوله:"ولا تقتلوا اولادكم من املاق"ام قوله:"خشية أملاق"؟؟!!!
والرد أن كلًا من الآيتين يحمل من المعنى ما لا تحمله الأخرى. فالآية الأولى تتكلم عن الذي يقتل أولاده بسبب فقر واقع به، لذا قال بعدها سبحانه وتعالى: ( نحن نرزقكم وإياهم ) فتكلم عن رزق الوالدين أولًا لما هم فيه الآن من فقر. والآية الثانية تتكلم عن الذي يقتلهم بسبب خوفه من فقر قد يحدث له عند زيادة عياله، لذا قال سبحانه وتعالى بعدها: ( نحن نرزقهم وإياكم ) فتكلم عن رزق العيال أولًا لأن سبب القتل الخوف على أن لا يجدوا لهم ما يطعمون. والله أعلم، وله الحمد
فتبين أن التنويع في الألفاظ كان لتنويع في المعاني، ولله الحكمة البالغة
وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .
المصدر:شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية. ... ... ...
شبهة: التكرار في القصص القرآنى
بسم الله الرحمن الرحيم
يعرف علماء البلاغة (الإيجاز) بأنه التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، ويقابله (الإطناب) ؛ وهو التعبير عن المراد بلفظ أزيد من الأول. ويكاد يجمع الجمهور على أن الإيجاز، والاختصار بمعنى واحد؛ ولكنهم يفرقون بين الإطناب، والإسهاب بأن الأول تطويل لفائدة، وأن الثاني تطويل لفائدة، أو غير فائدة.
ومن بديع الإيجاز قول الله تعالى في وصف خمر الجنة: ?لا يصدَّعون عنها ولا ينزفون? [الواقعة:19] . فقد جمع عيوب خمر الدنيا من الصداع، وعدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب، ثم نفى ذلك كله بـ (لا) .
ومن بديع الإطناب قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ?وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء? [ يوسف:53] . ففي قوله: ?وما أبرىء نفسي? تحيير للمخاطب، وتردد في أنه كيف لا يبرىء نفسه؛ وهي بريئة، قد ثبت عصمتها ! ثم جاء الجواب عن ذلك بقوله: ?إن النفس لأمارة بالسوء?.
ومن الآيات البديعة، التي جمعت بين الإيجاز، والإطناب، في أسلوب رفيع، قول الله تعالى: ? قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون? [النمل:18] .
أما الإطناب فنلحظه في قول هذه النملة: ? يا أيها?، وقولها:?وهم لا يشعرون?. أما قولها:?يا أيها? فقال سيبويه:"الألف والهاء لحقت (أيًّا) توكيدًا؛ فكأنك كررت (يا) مرتين، وصار الاسم تنبيهًا". وقال الزمخشري:"كرر النداء في القرآن بـ (ياأيها) دون غيره؛ لأن فيه أوجهًا من التأكيد، وأسبابًا من المبالغة؛ منها: ما في (يا) من التأكيد، والتنبيه، وما في (ها) من التنبيه، وما في التدرُّج من الإبهام في (أيّ) إلى التوضيح. والمقام يناسبه المبالغة، والتأكيد".
وأما قولها: ?وهم لا يشعرون? فهو تكميل لما قبله، جيء به، لرفع توهم غيره. ويسمَّى ذلك عند علماء البلاغة، والبيان: احتراسًا، وذلك من نسبة الظلم إلى سليمان- عليه السلام- وكأن هذه النملة عرفت أن الأنبياء معصومون، فلا يقع منهم خطأ إلا على سبيل السهو. وفي ذلك قال الفخر الرازي:"وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء- عليهم السلام". ومثل ذلك قوله تعالى:? فتصيبكم منهم معرة من غير علم? [الفتح:25] . أي: تصيبكم جناية كجناية العَرِّ؛ وهو الجرب.
وأما الإيجاز فنلحظه فيما جمعت هذه النملة في قولها من أجناس الكلام0 فقد جمعت أحد عشر جنسًا: النداء، والكناية، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والقصص، والتحذير، والتخصيص، والتعميم، والإشارة، والعذر. فالنداء: (يا) . والكناية: (أيُّ) . والتنبيه: (ها) . والتسمية: (النمل) . والأمر: (ادخلوا) . والقصص: (مساكنكم) . والتحذير: (لا يحطمنكم) . والتخصيص: (سليمان) . والتعميم: (جنوده) . والإشارة: (هم) . والعذر: (لا يشعرون) .
فأدَّت هذه النملة بذلك خمسة حقوق: حق الله تعالى، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق الجنود.
فأما حق الله تعالى فإنها استُرعيت على النمل، فقامت بحقهم. وأما حق سليمان- عليه السلام- فقد نبَّهته على النمل. وأما حقها فهو إسقاطها حق الله تعالى عن الجنود في نصحهم. وأما حق الرعية فهو نصحها لهم؛ ليدخلوا مساكنهم. وأما حق الجنود فهو إعلامها إياهم، وجميع الخلق، أن من استرعاه الله تعالى رعيَّة، وجب عليه حفظها، والذبِّ عنها، وهو داخل في الخبر المشهور:"كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته". هذا من جهة المعنى.