فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: (( قلت: يا رسول الله: أي مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال:"المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال:"المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال:"أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد") ).
ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن الكريم تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل، لأن حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد. فالتسمية باعتبار ما كان، وهي اشارة خفية إلى انه سيكون مسجدًا بأكمل حقيقة المساجد
اتخذ المعترضون من وقائع جمع القرآن وليجة يتسللون من خلالها للنيل من القرآن ، وإيقاع التشكيك في كونه وحيًا من عند الله عز وجل .
والواقع أن الذى ألجأهم إلى التسلل من هذه"الوليجة"وهى وقائع جمع القرآن أمران رئيسيان:
الأول: محاولتهم نزع الثقة عن القرآن وخلخلة الإيمان به حتى لا يظل هو النص الإلهى الوحيد المصون من كل تغيير أو تبديل ، أو زيادة أو نقص .
الثانى: تبرير ما لدى أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من نقد وجه إلى الكتاب المقدس بكلا عهديه: القديم (التوراة) والجديد (الأناجيل) ليقطعوا الطريق على ناقدى الكتاب المقدس من المسلمين ، ومن غير المسلمين .
ومواطن
الشبهة عندهم في وقائع جمع القرآن والمراحل التى مرَّ بها ، هى:
أن القرآن لم يُدوَّن ولم يكتب في مصحف أو مصاحف كما هو الشأن الآن ، إلا بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم أما في حياته ، فلم يكن مجموعًا في مصحف . وأن جمعه مرًّ بعدة مراحل:
الأولى: في خلافة أبى بكر - رضى الله عنه - وهو جمع ابتدائى غير موثق تمام التوثيق كما يزعمون ؟ .
الثانية: في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وقد كان الجمع في هذه المرحلة قابلًا لإدخال كثير من الإضافات التى افتقر إليها تدوين القرآن فيما بعد . لأن القرآن لم يكن فيهما مضبوطًا مشكولًا .
الثالثة: الإضافات التى أُلْحِقَتْ بالنص القرآنى وأبرزها:
* نَقْط حروفه لتمييز بعضها من بعض ، مثل تمييز الخاء من الجيم والحاء ، وتمييز الجيم من الخاء والحاء ، وتمييز التاء بوضع نقطتين فوقها عن كل من الياء والباء والنون والثاء .
1-ضبط كلماته بالضم والفتح والكسر والجزم ، مثل:"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين"وهذا أمر طارئ على جمع القرآن في مرحلتيه السابقتين .
2-علامات الوقف:مثل:ج صلى لا قلى م 00 00
3-وضع الدوائر المرقوم فيها أرقام الآيات في كل سورة .
إن كل هذه الإضافات لم تكن موجودة في العصر النبوى ، بل ولا في عهد الخلفاء الراشدين
يذكرون هذا كله ليصوروا أن
الشبهة التى لوحظت في جمع المصحف الحاوى للقرآن الكريم ، تزرع الشكوك والريوب (جمع ريب) فى وحدة القرآن واستقراره وسلامته من التحريف . فعلام إذن يصر المسلمون على اتهام التوراة التى بيد اليهود الآن أنها لا تمثل حقيقة التوراة التى أنزلها الله على موسى عليه السلام ؟ أو لماذا يطلقون هذا الوصف على مجموعة"الأناجيل": التى بيد النصارى الآن ؟
الرد على هذه
الشبهة:
إنًّ تأخير تدوين القرآن عن حياة النبى صلى الله عليه وسلم وجمعه في مصحف في خلافة أبى بكر رضى الله عنه ، لامساس له مطلقًا بوحدة القرآن وصلة كل كلمة بالوحى الإلهى ؛ لأن القرآن قبل جمعه في مصاحف كان محفوظًا كما أنزله الله على خاتم المرسلين .
والعرب قبل الإسلام ، وفى صدر الإسلام المبكر كانوا ذوى ملكات في الحفظ لم يماثلهم فيها شعب أو أمة ، من قبلهم أو معاصرة لهم ، ومن يعرف الكتابة والقراءة فيهم قليلون فكانوا يحفظون عن ظهر قلب ما يريدون حفظه من منثور الكلام ومنظومه .
وروعة نظم القرآن ، ونقاء ألفاظه ، وحلاوة جرسه ، وشرف معانيه ، هذه الخصائص والسمات فاجأت العرب بما لم يكونوا يعرفون ، فوقع من أنفسهم موقع السحر في شدة تأثيره على العقول والمشاعر ، فاشتد اهتمامهم به ، وبخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به ، وكانوا يترقبون كل جديد ينزل به الوحى الأمين ، يجمعون بين حفظه والعمل به
وكان النبى صلى الله عليه وسلم كلما نزل عليه شئ من الوحى يأمر كُتًّاب الوحى بكتابته فورًا ، سماعًا من فمه الطاهر ثم ينشر ما نزل من الوحى بين الناس
وقد ساعد على سهولة حفظه أمران:
الأول: نزوله (مُنَجَّمًا) أى مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة ؛ لأنه لم ينزل دفعة واحدة كما كان الشأن في الوحى إلى الرسل السابقين .
والسبب في نزول القرآن مُفَرَّقًا هو ارتباطه بتربية الأمة ، والترقى بها في مجال التربية طورًا بعد طور ومعالجة ما كان يجد من مشكلات الحياة ، ومواكبة حركة بناء الدعوة من أول شعاع فيها إلى نهاية المطاف .